للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

للمعاشِ، والعَناءِ الذى كنتم فيه بالنهارِ، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. يقولُ: وجَعَل النهارَ مُبْصِرًا. فأضافَ الإبصارَ إلى النهارِ، وإنما يُبْصَرُ فيه، وليس النهارُ مما يُبْصِرُ. ولكن كان مفهومًا في كلامِ العربِ معناه، خاطَبَهم بما في لغتِهم وكلامِهم، وذلك كما قال جريرٌ (١):

لقد لُمْتِنَا يا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى … ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيِّ بَنَائمِ

فأضافَ النومَ إلى الليلِ ووَصَفَه به، ومعناه نفسُه، أنه لم يكنْ نائمًا فيه هو ولا بَعِيرُه.

يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذي يفعلُ ذلك، هو ربُّكم الذي خَلَقَكم وما تَعْبُدون، لا ما لا ينفعُ ولا يضرُّ، ولا يفعلُ شيئًا.

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فى اختلافِ حالِ الليلِ والنهارِ، وحالِ أهلِهما فيهما، دلالةً وحُجَجًا على أن الذى له العبادةُ خالصًا بغيرِ شريكٍ، هو الذى خلَق الليلَ والنهارَ، وخالَفَ بينَهما؛ بأن جعَل هذا للخلقِ سَكَنًا، وهذا لهم معاشًا، دونَ مَن لا يخلقُ ولا يفعلُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا ينفعُ.

وقال (٢): ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ لأن المرادَ منه: الذين يَسْمَعون هذه الحُجَجَ ويتفكَّرون فيها، فيَعْتَبِرون بها ويَتَّعِظون، ولم يُرَدْ به الذين يَسْمَعون بآذانِهم، ثم يُعْرِضون عن عِبَرِه وعِظاتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا


(١) ديوانه ٢/ ٩٩٣.
(٢) في ت ١: "قوله".