للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإن قال قائلٌ: فإن الآيةَ التي في "المائدةِ" تَدُلُّ على إباحتِهنَّ بالنكاحِ.

قيل: إن التي في "المائدةِ" قد أبان أن حكمَها في خاصٍّ مِن مُحْصناتِهم، وأنها مَعْنِيٌّ بها حرائرُهم دونَ إمائِهم، قولُه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وليست إحدى الآيتين دافعًا (١) حكمُها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مُبَيِّنَةٌ حكمَ الأخرى، وإنما تكونُ إحداهما دافعةً حكمَ الأخرى، لو لم يكنْ جائزًا اجتماعُ حُكْمَيْهما على صحةٍ .. فأمَّا وهما جائزٌ اجتماعُ حُكْمَيْهما (٢) على الصحةِ، فغيرُ جائزٍ أن يُحْكَمَ لإحداهما بأنها دافِعةٌ حكمَ الأخرى، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو قياسٍ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ، والآيةُ مُحتَمِلةٌ ما قلنا: والمَحصَناتُ من حَرائرِ الذين أوتوا الكتابَ من قَبْلِكم دونَ إمائِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.

وهذا من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.

وتأويلُ ذلك: ومَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلًا أن يَنكِحَ المحصناتِ المؤمناتِ، فمما مَلَكَت أيمانُكم من فَتياتِكم المؤمناتِ، فلْيَنْكِحْ بعضُكم من بعضٍ. بمعنى: فلْيَنْكِحْ هذا فتاةَ هذا. فـ "البعضُ" مرفوعٌ بتأويلِ الكلامِ ومعناه؛ إذ كان قولُه: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، في تأويلِ: فليَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانُكم. ثم رُدَّ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ على ذلك المعنى فرُفِع.

ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. أي: واللهُ أعلمُ بِإِيمانِ مَن آمَن منكم باللهِ ورسولِه، وما جاء به من عندِ اللهِ، فصَدَّق بذلك كلِّه، منكم.


(١) في م: "دافعة".
(٢) في النسخ: "حكمهما". والمثبت ما تستقيم به العبارة مع سابقتها.