للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشركِ باللهِ، فخذَلكم عما هدَانا له من ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: كما هدَيْناكم أيها المؤْمنون بمحمدٍ ، وبما جاءَكم به من عندِ اللهِ، فخصَصْناكم بالتوفيقِ لقبلةِ إبراهيمَ وملّتِه، وفضَّلناكم بذلك على من سواكم من أهلِ المللِ، كذلك خصَصْناكم أيضًا ففضَّلناكم على غيرِكم من أهلِ الأديانِ؛ بأن جعَلْناكم أمة وسطًا، وقد بيّنا أن "الأمَّةَ" هى القرنُ من الناسِ، والصِّنْفُ منهم وغيرهم (١).

وأما "الوسطُ" فإنه في كلام العربِ الخيارُ، يقالُ منه: فلانٌ واسِطُ (٢) الحسَبِ في قومِه. أى: متوسِّطُ الحسَبِ، إذا أرادُوا بذلك الرفعَ في حسبِه، وهو وسطٌ في قومِه وواسطٌ. كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]. وقال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى في "الوسطِ" (٣):

هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ بحُكمِهمْ … إذا نَزَلَت إحدَى الليالى بمُعْظَمِ

قال أبو جعفرٍ: وأنا أرَى أن "الوسَطَ" في هذا الموضعِ هو الوسَطُ الذى بمعنى الجزءِ الذي هو بين الطرفَين، مثلَ وسَطِ الدارِ، [محرِّكةُ الوسطِ مثقَّلتُه] (٤)، غيرُ جائزٍ في سينِه التخفيفُ. وأرَى أن اللهَ إنما وصَفهم بأنهم


(١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٤، ٢/ ٥٨٨.
(٢) في م: "وسط".
(٣) شرح ديوان زهير ص ٢٧. والبيت فيه هكذا:
لحى حلال يعصم الناس أمرهم … إذا طرقت. . . . . . . .
وأنشده الجاحظ في البيان والتبيين ٣/ ٢٥٥ غير منسوب هكذا:
هم وسط يرضى الإله بحكمهم … إذا طرقت. . . . . . . .
(٤) في م: "محرك الوسط مثقله"، وفى ت ٢: "محركة الوسط مثقلة".