للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: [ثنا ابنُ إسحاقَ، قال] (١): حدَّثنى محمدُ بن أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أى: ترَكْتُم ذلك كلَّه (٢).

وقال بعضُهم: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم. ولكنه جُعِل خطابًا لبَقايا نَسلِهم -على ما قد ذكَرْناه فيما مضَى قبلُ (٣) - ثم قال: وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْته عليكم بذلك، وتارِكوه تَركَ أَوائلِكم.

وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لمَن كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ من يهودِ بنى إسرائيلَ، وذَمٌّ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم في التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللهِ وركوبِهم معاصيَه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.

وقولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. في المعنى والإعرابِ نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.


(١) سقط من الأصل.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٢ (٨٥٠) من طريق سلمة به.
(٣) تقدم فى ١/ ٦٤٢ - ٦٤٣.