للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل: إن المقصودَ بذكرِ الخبرِ عن حياتِهم إنما هو الخبرُ عمَّا هُمْ فيه مِنَ النِّعمةِ، ولكنَّه جلَّ ذكرُه لمَّا كان قد أنبأ عبادَه عمَّا قد خصَّ به الشهداءَ - في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].

وعلِمُوا حالَهم بخبرِه ذلك، ثم كان المرادُ من اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ نَهْىَ خَلْقِه عن أن يقولوا للشهداءِ: إنَّهم مَوْتَى - ترَك إعادةَ ذكرِ ما قد بينَّ لهم مِن خبرِهم.

وأما قولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فإنه يعني به: ولكنَّكم لا تَرونَهم، فتعلَموا أنّهم أحياءٌ، وإنما تعلَمون ذلك بخبرِى إيّاكم به.

وإنما رفَع قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بإضمارِ مكنيٍّ من (١) أسماءِ: "من يُقتلُ في سبيلِ اللهِ".

ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يُقتلُ في سبيل اللهِ: هُم أمواتٌ. ولا يجوزُ النصبُ في "الأمواتِ"؛ لأنّ "القولَ" لا يعملُ فيهم، وكذلك قولُه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ رَفعٌ بمعنى [بل هم] (٢) أحياءٌ.

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾.

وهذا إخبارٌ من اللهِ أتباعَ رسولِه محمدٍ، أنه مُبتلِيهم فممتحنُهم بشدائدَ من الأمورِ؛ ليعلَمَ مَن يَتَّبعُ الرسولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ، كما ابتلاهم فامتحَنهم بتحويلِ القِبلةِ مِن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، وكما امتحَن أصْفِياءَه قبلَهم، ووعَدهم


(١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "عن".
(٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "أنهم".