للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شرٍّ، فتَعْلَموا حينَئذٍ مَن المحسنُ منا والمسيءُ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ وأمتِه: واللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خلائفَ الأرضِ بأنْ أهلَك مَن كان قبلَكم مِن القرونِ والأممِ الخاليةِ، واستَخلفكم، فجعَلكم خلائفَ منهم في الأرضِ، تَخْلُفونهم فيها، وتَعْمُرونها بعدهم.

والخلائفُ جمعُ خليفةٍ، كما الوصائفُ جمعُ وصيفةٍ، وهى مِن قولِ القائلِ: خَلَفَ فلانٌ فلانًا في دارِه، يَخْلُفُه خلافةً، فهو خليفةٌ فيها. كما قال الشَّمَّاخُ (١):

تُصِيبُهُم وتُخْطِئُنى المَنايا … وأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَن رُبُوعِ

وذلك كما حدَّثني [محمدُ بن] (٢) الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾. قال: أما ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: فأهلَكَ القرون واستَخْلَفَنا فيها بعدهم (٣).

وأما قولُه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. فإنه يقولُ: وخالَفَ بينَ أحوالِكم، فجعَل بعضَكم فوقَ بعضٍ، بأن رَفع هذا على هذا، بما بَسَط لهذا مِن الرزقِ، ففَضَّله بما أعطاه مِن المالِ والغِنى، على هذا الفقير فيما خَوَّله مِن أسبابِ الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه مِن الأيْدِ والقوةِ، على هذا الضعيفِ الواهنِ القُوَى، فخالَفَ بينَهم، بأن رَفَع مِن درجةِ هذا على درجِة هذا، وخَفَضَ مِن درجةِ هذا عن


(١) ديوانه ص ٢٢٤.
(٢) سقط من: م
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٥ (٨١٨٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى أبي الشيخ.