للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.

اخْتَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: (وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون). بالياءِ (١) على وجهِ الإخْبارِ عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتِهم معنى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلَّا الخِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ.

وقرَأه آخَرون: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ. قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتُؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعضٍ، وما اللهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم.

وأَعْجَبُ القراءتينِ في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُون). إلى ذلك أقربُ منه إلى قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه.

والوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ.

وتأويلُ قولِه: [﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾] (٢): وما اللهُ بساهٍ عن أعمالِهم الخبيثةِ، بل هو مُحْصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها في الآخرةِ، ويُخْزِيَهم في الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها (٣).


(١) قرأ بها نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب، وقرأ بقية العشرة بالتاء، وكلتا القراءتين متواترة. النشر ٢/ ٢١٨.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.