للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباس: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. قال: اللهُ أَنْزَلَه (١).

ولو قيل: معناه: قلْ: هو اللهُ. على وجهِ الأمرِ مِن اللهِ له بالخبرِ عن ذلك، لا على وجهِ الجوابِ - إذ لم يَكُنْ قولُه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ مسألةً مِن المشركين لمحمدٍ ، فيَكونَ قولُه: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جوابًا لهم عن مسألتِهم، وإنما هو أمرٌ مِن اللهِ لمحمدٍ بمسألةِ القومِ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾، فيَجِبُ أن يكونَ الجوابُ منهم غيرَ الذي قاله ابنُ عباسٍ مِن تأويلِه - كان جائزًا؛ مِن أجلِ أنه استفهامٌ، ولا يَكونُ للاستفهامِ جوابٌ، وهو الذي اخْتَرْنا من القولِ في ذلك؛ لِمَا بيَّنا.

وأما قولُه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ : ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ - بعدَ احتجاجِك عليهم في قيلِهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. بقولِك: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. وإجابتِك ذلك بأن الذي أَنْزَلَه اللهُ الذي أَنْزَل عليك كتابَه - ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾. يعني: فيما يَخُوضُون فيه من باطلِهم وكفرِهم باللهِ وآياتِه، ﴿يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: يَسْتَهْزِئون ويَسْخَرون.

وهذا من اللهِ وعيدٌ لهؤلاء المشركين وتهدُّدٌ (٢) لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَعْهم لاعِبِين يا محمدُ، فإني مِن وراءِ ما هم فيه مِن استهزائِهم بآياتي بالمِرْصادِ، وأُذِيقُهم بأسي، وأُحِلُّ بهم إن تَمادَوْا فِي غَيِّهِم سَخَطي.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ


(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٤ (٧٦٠٨) من طريق أبي صالح به.
(٢) في م: "تهديد".