للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

طردِهم هم الذين يَدْعُون ربَّهم، فيَسْأَلُون عفوَه ومغفرتَه بصالحِ أعمالِهم، وأداءِ ما ألْزَمهم مِن فَرائضِه ونوافلِ تطوُّعِهم، وذكْرِهم إياه بألسنتِهم بالغَداةِ والعشيِّ، يَلْتَمِسون بذلك القُرْبةَ إلى اللهِ والدنوَّ مِن رِضاه، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما عليك مِن حسابِ ما رزَقْتُهم مِن الرزقِ مِن شيءٍ، وما عليهم مِن حسابِ ما رزَقْتُك مِن الرزقِ مِن شيءٍ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ حِذارَ مُحاسَبتي إياك بما خوَّلْتُهم في الدنيا مِن الرزقِ.

وقولُه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.

وقولُه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: وكذلك اخْتَبَرْنا وابْتَلَيْنا.

كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يقولُ: ابْتَلَينا بعضَهم ببعضٍ (١).

وقد دلَّلْنا فيما مضى مِن كتابِنا هذا على معنى "الفتنةِ"، وأنها الاخْتبارُ والابْتلاءُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).


(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.
(٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧.