للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.

وتأويلُ ذلك: فدعا موسي، فاسْتَجَبْنا له، فقلْنا لهم: اهْبِطوا مصرًا. وهو مِن (١) المحذوفِ الذى اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِه عن (٢) ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه.

وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أنَّ معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزول إليه والحُلولُ به (٣).

فتأويلُ الآيةِ إذن: وإذ قلتُم: يا موسي، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقثَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها. قال موسى لهم: أَتَسْتَبْدِلُون الذى هو أَخَسُّ وأَرْدَأُ مِن العيشِ بالذى هو خيرٌ منه؟ فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلوه، فاسْتَجاب اللهُ له دعاءَه، فأعْطاهم ما طلَبوا، وقال اللهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم.

ثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ "المِصْرِ" وإجْرائِه. وقرَأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفِ الألفِ منه (٤). فأما الذين نَوَّنوه وأجْرَوْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينِه. فتأويلُه على قراءتِهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ، لأنكم في [البَرِّ و] (٥) البَدْوِ، والذى طلَبْتُم لا يكونُ في البَوادِى والفَيافِي، وإنما يكونُ في القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه (٦) ما سألْتُم مِن العيشِ. وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ


(١) سقط من: الأصل.
(٢) في م: "على".
(٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٧١.
(٤) وهذه قراءة الحسن وطلحة والأعمش وأبان بن تغلب، وهى كذلك في مصحف أُبيّ وابن مسعود وبعض مصاحف عثمان. المصاحف لابن أبي داود ص ٥٧، والبحر المحيط ١/ ٢٣٤.
(٥) سقط من: م.
(٦) بعده في الأصل: "به".