للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كالأنعام، وهى البهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها، ولا تَفْهَمُ ما أَبْصَرَتُه، لما (١) يَصْلُحُ ولما (٢) لا يصلُحُ، ولا تَعْقِلُ بقلوبها الخيرَ من الشرِّ، فتُميِّز بينهما (٣)، فشَبَّههم اللهُ بها؛ إذ كانوا لا يَتَذَكَّرون ما يَرَوْن بأبصارِهم من حُجَجه، ولا يَتَفَكَّرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. يقولُ: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأَهم لجهنم، أَشَدُّ ذهابًا عن الحقِّ، وأَلْزَمُ لطريق الباطل من البهائم؛ لأنَّ البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتَخْتارَ وتُميِّزَ، وإنَّما هي مُسَخَّرَةٌ، ومع ذلك تَهْرُبُ مِن المَضَارِّ، وتَطْلُبُ لأَنفُسِها من الغذاء الأصْلَحَ. والذين وصف اللهُ صِفَتَهم في هذه الآية، مع ما أُعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المَصَالِحِ والمضارِّ، تترك ما فيه صلاح دنياها وآخرتها، وتَطْلُبُ ما فيه مَضَارُّها (٤)، فالبهائم منها أَسَدُّ، وهى منها أَضَلُّ، كما وَصَفَها به ربُّنا جلَّ ثناؤُه.

وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفَتَهم القومُ الذين غَفَلوا - يَعْني سَهَوا - عن آياتي وحُجَجى، وتَرَكوا تدبُّرها والاعتبار بها والاستدلالَ على ما دَلَّتْ عليه من توحيدِ ربِّها، لا البهائم التي قد عَرَّفها ربُّها ما سخَّرها له.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وهي كما قال ابن عباسٍ.


(١) في م: "مما".
(٢) في م: "ما".
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: "بينها".
(٤) بعده في ص، ت ١، س، ف: "فيها".