للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل له: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ظننتَ، وإنما معناه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أى: فلا تُفارِقُنَّ هذا الدِّينَ -وهو الإسلامُ- أيامَ حياتِكم، وذلك أن أحدًا لا يَدْرِى متى تأتِيه مَنِيَّتُه، فلذلك قالا لهم: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مَناياكم مِن ليلٍ أو نهارٍ، فلا تُفارِقوا الإسلامَ فتأتيَكم مناياكُم وأنتم على غيرِ الدِّينِ الذى اصطفاه لكم ربُّكم فتموتوا وربُّكم عليكم ساخطٌ، فتَهْلِكوا.

القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾: أكنتُم شهداءَ (١). ولكنَّه اسْتَفْهم بـ "أمْ" إذ كان استفهامًا مستأنَفًا على كلامٍ قد سبَقه، كما قيل: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ استفهامٍ ابتدأْته بعدَ كلامٍ قد سبَقه، تَستفهِمُ فيه بـ "أمْ".

والشهداءُ جمعُ شهيدٍ، كما الشُّرَكاءُ جمعُ شَرِيكٍ، والخُصَمَاءُ جمعُ خَصيمٍ.

وتأويلُ الكلامِ: أكنتُم يا معشرَ اليهودِ والنصارى المُكَذِّبين بمحمدٍ ، الجاحدِين نبوَّتَه - حُضورَ يعقوبَ وشُهودَه إذ حضَره الموتُ. أى: إنَّكم لَمْ تَحْضُروا ذلك، فلا تَدَّعوا على أنَّبيائى ورُسُلى الأباطيلَ، وتَنْحُلوهم اليهوديَّةَ والنَّصرانيةَ، فإنِّى ابْتَعَثتُ خليلى إبراهيمَ وولدَه إسحاقَ وإسماعيلَ وذُرِّيَّتَهم بالحنيفيَّةِ المسلمةِ، وبذلك وصَّوْا بَنِيهم، وبه عهِدوا إلى أولادِهم مِن بعدِهم، فلو حضَرْتُموهم فسمِعتُم منهم علِمْتُم أنَّهم على غيرِ ما تَنْحُلونهم مِن الأديانِ والمِلَلِ (٢).


(١) سقط من: م.
(٢) بعده في م: "من بعدهم".