للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بمسحِه ذلك أن يُقالَ: مسَح برأسِه. فقد أدَّى ما فرَض اللَّهُ عليه مِن مسحِ ذلك، لدخولِه فيما لزِمه اسمُ "مَاسحٍ (١) برأسِه" إذا قام إلى صلاتِه.

فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ قد قال في التيممِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. أفيُجْزِئُ المسحُ ببعضِ الوجهِ واليدين في التيممِ؟

قيل له: كلُّ ما مُسِحَ مِن ذلك بالترابِ فيما تنازَعَت فيه العلماءُ - فقال بعضُهم: يُجْزِئُه ذلك مِن التيممِ. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُه - فهو مُجْزِئُه؛ لدخولِه في اسمِ "الماسحين به".

وما كان مِن ذلك مُجْمَعًا على أنه غيرُ مُجْزئِه، فمُسَلَّمٌ لما جاءَت به الحجةُ نقلًا عن نبيِّها ، ولا حجةَ لأحدٍ علينا في ذلك، إذ كان مِن قولِنا: إن ما جاء في آيِ الكتاب عامًّا في معنًى، فالواجبُ (٢) الحكمُ به على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يَجِبُ التسليمُ له، فإذا خُصَّ منه شيءٌ، كان ما خُصَّ منه خارجًا مِن ظاهرِه، وحكمُ سائرِه على العمومِ. وقد بيَّنا العلةَ الموجبةَ صحةَ القولِ بذلك في غيرِ هذا الموضعِ، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

والرأسُ الذي أمَر اللَّهُ جلَّ وعزَّ بالمسحِ به بقولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هو منابتُ شعَرِ الرأسِ دونَ ما جاوز ذلك إلى القفا مما اسْتُدبِر، ودونَ ما انْحَدر عن ذلك مما اسْتُقْبِل مِن قِبَل وجهِه إلى الجبهةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.

اختلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ مِن قرأَةِ الحجازِ والعراقِ


(١) في النسخ: "ما مسح".
(٢) بعده في ص، ت ١، س: "من".
(٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٠١، ١٠٢.