للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مَا خَلَقتَ هذا باطلًا. فترَك ذكر "قائلين"؛ إذ كان فيما ظهَر من الكلامِ دَلالةٌ عليه.

وقولُه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. يقولُ: لم تخلُق هذا الخلقَ عبثًا ولا لعِبًا، ولم تخلُقْه إلا لأمرٍ عظيمٍ، من ثوابٍ وعقابٍ، ومحاسبةٍ ومجازاةٍ.

وإنما قال: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. ولم يقل: ما خلَقْتَ هذه. ولا: هؤلاء. لأنه أراد بـ ﴿هَذَا﴾ الخلق الذي في السماوات والأرض، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ورغبتُهم إلى ربِّهم في أن يقيَهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنيُّ بقولِه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. السماواتِ والأرضَ، لما كان لقولِه عَقِيبَ ذلك: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأن السماواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقابِ، وإنما الدليلُ على الثوابِ والعقاب الأمرُ والنهىُ.

وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه أولى الألبابِ الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ أنهم إذا رأَوُا المأمورين المنهيين، قالوا: يا رَبَّنا، لم تخلُق هؤلاء باطلًا عبثًا.

﴿سُبْحَانَكَ﴾. يعني: تنزيهًا لك [وتعظيمًا لك] (١) من أن تفعَلَ شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم (٢) لعظيم من الأمرِ، لجنةٍ أو نارٍ. ثم فزِعوا إلى ربِّهم بالمسألةِ أن يُجيرَهم من عذابِ النار، وألَّا يجعَلَهم ممن عصاه وخالَف أمرَه، فيكونوا من أهل جهنَّمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ربَّنا إنك من تُدْخِل النارَ من عبادك فتخلِّده فيها فقد أَخْزَيتَه. قالوا (٣): ولا يُخْزَى مؤمِنٌ


(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) في س: "جعلتهم".
(٣) في م، س: "قال".