للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الرشدِ، فصارِفِه عن ضلالته التي هو عليها، وركوبِه الجائرَ من الطرق، إلى سبيل (١) الرشادِ. يقولُ: ليس ذلك بيدك ولا إليك، ولا يقدر على ذلك أحدٌ غيرى؛ لأنى القادرُ على كلِّ شيءٍ. وقيل: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾. [ولم يُقل: من ضلالتهم] (٢). لأن معنى الكلام ما وَصَفْتُ، من أنه: وما أنت بصارفهم عنه. فحُمِل على المعنى، ولو قيل: من ضلالتهم. كان صوابًا، وكان معناه: ما أنت بمانعهم من ضلالتهم.

وقوله: ﴿إن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه: ما تُسْمِعُ السماعَ الذي ينتفِعُ به سامعُه فيعقِلَه، إلا من يؤمنُ بآياتنا؛ لأن الذي يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا إذا سمع كتابَ الله، تدبَّره وفهمه وعقَله، وعمل بما فيه، وانتهى إلى حدودِ اللهِ التي حدَّ فيه، فهو الذي يَسمَعُ السماع النافعَ.

وقوله: ﴿فَهُم مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهم خاضعون لله بطاعته، متذلِّلون لمواعظ كتابه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذِّبين بالبعث من مشركي قريش، محتجًّا عليهم بأنه القادرُ على ذلك، وعلى ما يشاءُ: ﴿الَّذِى خَلَقَكُم﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿من ضَعْفٍ﴾. يقولُ: من نُطْفَةٍ وماءٍ مَهِينٍ، فأنشأكم بَشَرًا سَوِيًّا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ


(١) في ص، ت ٢: "سبل".
(٢) سقط من: ت ٢.