للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلَمون أنه كلامُ الرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللهِ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (١).

وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ، وأنكَروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ. وذلك صفةُ المنافقين، وإيَّاهم عنَى اللهُ جلّ ثناؤُه ومَن كان من نُظرائِهم (٢) وشركائِهم من المشركين مِن (٣) أهلِ الكتابِ وغيرِهم، بهذه الآيةِ: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.

كما قد ذَكَرْنا قبلُ (٤) من الخبرِ الذي روَيْناه عن مجاهدٍ الذي حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون.

يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به.

وتأويلُ قولِه: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذي أراد اللهُ بهذا المثَلِ مثلًا؟ فـ "ذا" الذي مع "ما" في معنى "الذي"، وأرادَ صلته، و "هذا" إشارةٌ إلى "المثل".

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.

ومعنى قولِه جل ذكرُه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يُضلُّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه. والهاءُ في ﴿بِهِ﴾ من ذِكْرِ "المثَل". وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأٌ، ومعنى


(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٩ (٢٧٦) من طريق يزيد به دون آخره، ثم أخرجه (٢٧٧) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وفيه: وأنه من عند الله.
(٢) في حاشية الأصل: "وقع في غير الأم: نُصَرَائهم".
(٣) في ر: "و".
(٤) تقدم في ص ٤٢٥، ٤٢٦.