للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحَدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: الخشوعُ الخوفُ والخشيةُ للهِ ﷿. وقرَأ قولَ الله : ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]. قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذى نزَل بهم وخشَعوا له.

وأصلُ الخشوعِ التَّواضعُ والتَّذللُ والاسْتِكانةُ، ومنه قولُ الشاعرِ (١):

لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبيرِ تواضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ

يعنى: والجبالُ خُشَّعٌ مُتَذَلِّلةٌ لعِظَمِ المُصيبةِ بفَقْدِه.

فمعنى الآيةِ: واستَعِينوا أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ بحبسِ أنفسِكم على طاعةِ اللهِ جل وعز، وكفِّها عن مَعاصى اللهِ، وبإقامةِ الصلاةِ المانعةِ مِن الفَحْشاءِ والمُنْكرِ، المُقَرِّبةِ مِن رضا اللهِ، العظيمةِ إقامتُها إلَّا على المُتَواضِعِين للهِ المُسْتَكِينين لطاعتِه المُتذَلِّلِين مِن مَخافتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾.

قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف أخْبَر اللهُ جلَّ وعزَّ عمَّن قد وصَفه بالخشوعِ له بالطاعةِ أنه يَظُنُّ أنه مُلاقِيه، والظنُّ شكٌّ، والشاكُّ في لقاءِ اللهِ جلَّ ثناؤه عندَك باللهِ كافرٌ؟

قيل: إن العربَ قد تُسَمِّى اليقينَ ظنًّا، والشكَّ ظنًّا، نظيرَ تسميتِهم الظُّلمةَ سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمُغيثَ صارخًا، والمُسْتَغِيثَ صارخًا، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ التى تُسمِّى بها الشيءَ وضدَّه، ومما يَدُلُّ على أنَّه يُسَمَّى به اليقينُ، قولُ دُرَيْدِ ابنِ الصِّمَّةِ (٢):


(١) هو جرير، والبيت في ديوانه ٢/ ٩١٣.
(٢) الأصمعيات ص ١٠٧، وشرح ديوان الحماسة ٢/ ٨١٢.