للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَوُوتِ - فجُعَلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه، فجُعِلَت مكانَ لامِه، كما قيل: جَبَذ وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ. وما أَشبه ذلك من الأسماءِ التي تأتى على هذا المثالِ.

فتأويلُ الكلام إذن: فمن يَجْحَدُ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فيَكْفُرْ به ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُّه ومعبودُه [دونَ غيرِه] (١)، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقولُ: فقد تمسَّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابِه.

كما حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدِ بن يعقوبَ الكنديُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، عن حُميدِ بن عُقبةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من جِيرتِه، فوجَده في السَّوْقِ (٢) وهو يُغَرْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟ قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَرْتُ بالطاغوتِ. قال أبو الدَّرْداءِ: وما عِلْمُكم بذلك؟ قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسَر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنّما يريدُ أن يَنْطِقَ بها. فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.

والعُرْوةُ في هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذي اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فِي تَعَلُّقِه به وتَمَسُّكِه، بالمُتَمَسِّكِ بعُروةِ الشيءِ الذي له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها، إذ كان كلُّ ذى عُروةٍ فإنَّما يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه.


(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) السوق: يقال: ساق المريض سوقا، إذا شرع في نزع الروح. التاج (س و ق).