للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل: إن الذي في الآيةِ التي قال فيها: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. مما صَلَح أن يَخْتِمَ ما ختَم به مِن وَصْفِ اللَّهِ بالغِنَى وأنه محمودٌ، ولم يَذْكُرْ فيها ما يَصْلُحُ أن يَخْتِمَ بوَصْفِه معه بالحفظِ والتدبيرِ، فلذلك كَرَّر قولَه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

القولِ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.

قال أبو جعفرٍ : يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ اللهُ، أيُّها الناسُ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾. أي: يُذْهِبْكم بإهلاكِكم وإفنائكم، ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾. يقولُ: ويَأْتِ بناسٍ آخرين غيرِكم، لمُؤَازَرَةِ نبيِّه محمدٍ ونُصْرَتِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ على إهلاكِكم وإفنائِكم، واسْتِبْدالِ آخرين غيرِكم بكم، ﴿قَدِيرًا﴾. يعنى: ذا قدرةٍ على ذلك.

وإنما وَبَّخ جل ثناؤُه بهذه الآياتِ (١) الخائنين الذين خانوا الدِّرْعَ التي وَصَفْنا شأنَها، الذين ذكَرهم اللهُ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وحذَّر أصحابَ محمدٍ أن يكونوا مِثْلَهم، وأن يَفْعَلوا فِعْلَ المُرْتَدِّ منهم في ارتدادِه ولَحَاقِهِ بالمشركين، وعرَّفهم أنَّ مَن فعَل فِعْلَه منهم، فلن يَضُرَّ إلا نفسَه، ولن يُوبِقَ برِدَّتِه غيرَ نفسِه؛ لأنه المحتاجُ - مع جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ - إلى اللهِ، واللهُ الغنيُّ عنهم. ثم تَوَعَّدَهم في قولِه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾. بالهلاكِ والاسْتِئْصالِ إن هم فعَلوا فِعْلَ ابن أُبَيْرِقٍ (٢) طُعْمَةَ المرتدِّ، وباستبدالِ آخرين غيرِهم بهم لنُصْرةِ نبيِّه محمدٍ


(١) في ص، ت ١، س: "الآية".
(٢) بعده في الأصل: "و". وينظر ما تقدم في ص ٤٦٢.