للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإن كان الوجهُ الأولُ مقولًا (١) في تأويلِها. وإيتاؤُها: إعطاؤُها أهلَها.

وأما الركوعُ، فهو الخضوعُ للهِ جلّ ثناؤه بالطاعةِ، يُقالُ منه: ركَع فلانٌ لكذا وكذا إذا خضَع له. ومنه قولُ الشاعرِ (٢):

بِيعَت بكَسْرٍ لَئِيمٍ واسْتَغاث بها … مِن الهُزالِ أبوها بعدَ ما رَكَعا

يعنى: بعدَ ما خضَع مِن شدةِ الحاجةِ والجَهْدِ.

وهذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لمن ذكَر مِن أحبارِ بنى إسرائيلَ ومُنافقِيها - بالإنابةِ (٣) والتوبةِ إليه، وبإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، والدخولِ مع المسلمين في الإسلامِ، والخضوعِ له بالطاعةِ، ونَهْىٌ منه لهم عن كِتْمانِ ما قد علِموا مِن نبوَّةِ محمدٍ بعدَ تَظاهُرِ حُجَجِه عليهم، مما قد وصَفْنا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وبعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ، وبعدَ تذكيرِهم نعمَه إليهم وإلى أسلافِهم؛ تَعَطُّفًا منه بذلك عليهم وإبلاغًا إليهم في المَعْذِرةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.

قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى "البِرِّ" الذي كان المخاطَبون بهذه الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به، ويَنْسَوْن أنفسَهم، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للهِ فهى تُسَمَّى بِرًّا.

فرُوِى عن ابنِ عباسٍ ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ


(١) في م، ت ١، ت ٢، ت، س: "مقبولا".
(٢) هو عصام بن عبيد الزمانى. والبيت في الوحشيات لأبى تمام ص ٨٦، والحيوان للجاحظ ٤/ ٢٨١،
والشطر الأول فيهما: بيعت بوكس قليل فاستقل بها
(٣) في م: "بالإبانة".