للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل: لم يَكُنْ ذلك منه مُشاوَرةٌ لابنِه في طاعةِ اللهِ، ولكنه كان منه ليَعْلَمَ ما عندَ ابنِه مِن العَزْمِ؛ هل هو مِن الصبرِ على أمرِ اللَّهِ على مثلِ الذي هو عليه، فيُسَرَّ بذلك، أم لا؟ وهو في الأحوالِ كلّها ماضٍ لأمرِ اللهِ.

وقولُه: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إسحاقُ لأبيه: يا أبتِ، افْعَلْ ما يَأْمُرُك به ربُّكَ مِن ذَبحى، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: سَتَجِدُنى إن شاء الله صابرًا من الصابرين لِما يَأْمُرُنا به ربُّنا. وقال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. ولم يَقُلْ: ما تُؤْمَرُ به. لأن المعنى: افْعَلِ الأمرَ الذى تُؤْمَرُه، وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (إنى أرَى فى المنامِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ به) (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أَسْلَما أمرَهما للهِ، وفوَّضاه إليه، واتَّفَقا على التسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بن عبدِ الجبارِ، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ، قال (٢): ثنا عبدُ اللَّهِ ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. قال: اتفَقا على أمرٍ واحدٍ (٣).


(١) وهى قراءة شاذة، ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩٠.
(٢) فى م، ت ٢: "وحدثنا ابن بشار قال ثنا مسلم بن صالح قالا".
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.