للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإنه يَعنى بذلك أنكم فعلْتُم ما فعلْتُم من عبادةِ العجلِ وليس ذلك لكم، وعبَدْتُم غيرَ الذي كان يَنْبَغى لكم أن تَعْبُدُوه؛ لأن العبادةَ لا تَنْبَغى لغيرِ اللهِ. وهذا تَوبيخٌ من اللهِ جل ثناؤُه لليهودِ، وتَعْييرٌ منه لهم، وإخبارٌ منه لهم أنهم [إذ كانوا قد] (١) فعلُوا ما فعلُوا من اتخاذِ العجلِ إلهًا وهو لا يَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نفعًا، بعدَ الذي عَلِموا أن ربَّهم هو الربُّ الذي يَفْعَلُ من الأعاجيبِ وبدائعِ الأفعالِ ما أجْراه على يَدَىْ موسى صلواتُ اللهِ عليه، من الأمورِ التى [عايَنُوها التى] (٢) لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ من خلقِ اللهِ، ولم يَقْدِر عليها فرعونُ وجندُه مع بطشِه وكثرةِ أتباعِه، وقُرْبِ عهدِهم بما عايَنُوا من عجائبِ حكمِ اللهِ فيهم، فهم إلى تكذيبِ محمدٍ ، وجحودِ ما في كتبِهم التى زعموا أنهم بها مؤْمِنون من صفتِه ونعتِه، مع بُعْدِ ما بينَهم وبين عهدِ موسى مِن المدةِ - أسرعُ، وإلى التكذيبِ بما جاءَهم به موسى مِن ذلك أقربُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.

يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾: واذْكُروا إذ أخَذْنا عُهودَكم بأن خُذوا ما آتيناكم مِن التوراةِ التى أَنْزَلتُها إليكم أن تَعْملوا بما فيها مِن أمْرِى، وتَنْتهوا عما نَهَيْتُكم فيها بجدٍّ منكم في ذلك ونشاطٍ، فأعْطَيتم على العملِ بذلك مِيثاقَكم، إذ رفَعنا فوقَكم الجبلَ.

وأما قولُه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فإن معناه: واسْمَعوا ما أمرتُكم به، وتَقَبَّلوه بالطاعةِ. كقولِ الرجلِ للرجلِ يأمرُه بالأمرِ: سمِعتُ وأطعتُ. يعني بذلك: سمِعتُ قولَك وأطَعتُ أمرَك. كما قال الراجِزُ (٣):


(١) في م: "إذا كانوا".
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) ذكره المصنف في تاريخه ٥/ ٢٩٩.