للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السُّدِّىِّ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: يَعنيانِ العربَ (١).

وهذا قولٌ يَدُلُّ ظاهرُ الكتابِ على خلافِه، لأن ظاهرَه يَدُلُّ على أنهما دَعَوَا اللهَ أن يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهما أهلَ طاعتهِ وولايتِه والمُسْتَجِيبينَ لأمرِه، وقد كان في ولدِ إبراهيمَ العربُ وغيرُ العربِ، والمستجيبُ لأمرِ اللهِ والخاضعُ له بالطاعةِ مِن الفريقين، فلا وجهَ لقولِ مَن قال: عنَى إبراهيمُ بدعائِه ذلك فريقًا مِن ولدِه بأعيانِهم دونَ غيرِهم، إلَّا التحكُّمَ الذى لا يعْجِزُ عنه أحدٌ.

وأمَّا "الأُمَّةُ" في هذا الموضعِ، فإنه يَعني بها الجماعةَ مِن الناسِ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.

اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. بمعنى رُؤيةِ العينِ، أى: أظهِرْها لأعيُنِنا حتى نراها. وذلك قراءةُ عامَّةِ قرأةِ (٢) الحجازِ والكوفةِ. وكان بعضُ مَن يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى هذا التأويلِ يُسَكِّنُ الراءَ مِن (أرْنا) (٣)، غيرَ أنه يُشِمُّها كسرةً (٤).

واختلف قائلُو هذه المقالةِ وقَرَأَةُ هذه القراءةِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾؛ فقال بعضُهم: هى مناسكُ الحجِّ ومعالِمُه.


(١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٤ (١٢٤٦) من طريق عمرو به.
(٢) في م: "أهل".
(٣) تسكين الراء قراءة ابن كثير المكى، والسوسى عن أبى عمرو، ويعقوب الحضرمى، وهو من العشرة. والاختلاس قراءة الدورى عن أبي عمرو، والباقون بكسر الراء. ينظر النشر ٢/ ٢٢٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ٩٠.
(٤) المراد بالإشمام هنا: الاختلاس، أى: إخفاء الحركة، وهو الإتيان بثلثى الحرف بحيث يكون المنطوق به من الحركة أكثر من المحذوف منها. ينظر الوافى في شرح الشاطبية ص ٢٠٣.