للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ : اتَّبِعْ يا محمدُ ما أمَرَك به ربُّك في وحْيِه الذي أوحاه إليك، فاعْمَلْ به، وانْزَجِرْ عما زجَرَك عنه فيه، ودَعْ ما يَدْعُوك إليه مُشْرِكو قومِك من عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ يَسْتَحِقُّ عليك إخلاصَ العبادةِ له إلا اللهُ الذي هو فالقُ الحبِّ والنَّوَى، وفالقُ الإصْباحِ، وجاعلُ الليلِ سَكَنًا والشمسِ والقمرِ حُسْبانًا، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ودَعْ عنك جِدالَهم وخُصومتَهم. ثم نسَخ ذلك جلَّ ثناؤُه بقولِه في "براءةَ": ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥].

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: أما قولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.

ونحوُه مما أمَرَ اللهُ المؤمنين بالعفوِ عن المشركين، فإنه نسَخ ذلك قولُه: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ : أعْرِضْ عن هؤلاء المشركين باللهِ، ودَعْ عنك جِدالَهم وخصومتَهم ومُسابَّتَهم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾. يقولُ:

لو [أراد ربُّك] (١) هدايتَهم واسْتنقاذَهم مِن ضلالتِهم، لَلطَف لهم بتوفيقِه إياهم، فلم يُشْرِكوا به شيئًا، ولآمنوا بك، فاتَّبَعوك وصدَّقوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنما بعَثْتُك إليهم رسولًا مبلغًا، ولم نَبْعَثْك حافظًا عليهم ما هم عامِلوه، وتُحْصِي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونَك، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولستَ عليهم بقَيِّمٍ تَقومُ


(١) في م: "أرادوا بك".