للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يُقْبَلُ فيه (١) عملٌ غيرُ الإسلامِ وهى الحَنيفيةُ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾.

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ : يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واتخَذ اللهُ إبراهيمَ وليًّا.

فإن قال قائلٌ: وما معنى الخُلةِ التي أُعطِيَها إبراهيمُ؟ قيل: ذلك مِن إبراهيمَ العداوةُ في اللهِ والبُغْضُ فيه، والوَلايةُ في اللهِ والحبُّ فيه، على ما يُعْرَفُ مِن معاني الخلَّةِ، وأما مِن اللهِ لإبراهيمَ، فنُصْرَتُه على مَن حاوَله بسوءٍ، كالذى فعَل به إذ أراده نُمْروذُ بما أراده به مِن الإحراقِ بالنارِ، فأنقَذَه منها، وأعلى حُجَّتَه عليه إذ حاجَّه، وكما فعَل بمَلكِ مصرَ إذ أراده عن أهلِه، وتمكينُه مما أحبَّ، وتَصْيِيرُه إمامًا لمن بعدَه مِن عبادِه وقدوةً لمن خلفه في طاعتِه وعبادتِه، فذلك معنى خِلالَتِه (٢) إياه. وقد قيل: سمّاه اللهُ خليلًا مِن أجلِ أنه أصاب أهلَ ناحيتِه جَذْبٌ، فارتَحَل إلى خليلٍ له مِن أهل المَوْصِلِ - وقال بعضُهم: مِن أهلِ مصرَ في امتيارِ طعامٍ لأهلِه مِن قبَلِه فلم يُصِبْ عندَه حاجتَه، فلما قرُب مِن أهلِه مرَّ بمفازةٍ ذاتِ رملٍ، فقال: لو ملأتُ غَرائرى مِن هذا الرملِ لئلا أغُمَّ أهلى برُجُوعى إليهم بغيرِ ميرةٍ، وليَظُنُّوا أنى قد أتَيْتُهم بما يُحِبُّون، ففعَل ذلك، فتحوَّل ما في غَرائرِه مِن الرملِ دقيقًا، فلما صار إلى منزلِه نام وقام أهلُه، ففتَحوا الغرائرَ فوجَدوا دقيقًا، فعجَنوا منه وخبَزوا، فاسْتَيْقَظَ فسأَلَهم عن الدقيقِ الذي منه خَبَزُوا، فقالوا: مِن الدقيقِ الذي جئتَ به مِن عندِ خليلِك. فعلِم، فقال: نعم، هو مِن خليلى اللهِ، قالوا: فسمّاه اللهُ بذلك خليلًا.


(١) في الأصل: "منه".
(٢) في م: "مخالته".