للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خلقتني مِن نارٍ وخلقتَه مِن طينٍ، والنارُ تأكلُ الطينَ وتُحرِقُه، فالنارُ خيرٌ منه. يقولُ: لم أفعلْ ذلك استكبارًا عليك، ولا لأنى كنتُ مِن العالين، ولكني فعَلتُه مِن أجلِ أنى أشرفُ منه.

وهذا تقريعٌ مِن الله المشركين (١)، الذين كفَروا بمحمدٍ ، وأبَوا الانقيادَ له، واتِّباعَ ما جاءهم به مِن عندِ الله؛ استكبارًا عن أن يكونوا تَبَعًا لرجلٍ منهم، حين قالُوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، و: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. فقَصَّ عليهم تعالى ذكرُه قصةَ إبليسَ وهلاكِه (٢) باستكبارِه عن السجودِ لآدمَ، بدعواه أنه خيرٌ منه، مِن أجلِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِن طينٍ، حتى صار شيطانًا رجيمًا، وحَقَّت عليه مِن الله لعنتُه - محذِّرَهم بذلك أن يستحِقُوا باستكبارِهم على محمدٍ ، وتكذيبِهم إياه فيما جاءهم به مِن عندِ الله، حسدًا وتعظُّمًا، مِن اللعنِ منه (٣) والسُّخْطِ، ما استَحقَّه إبليسُ بتكبُّرِه عن السجودِ لآدمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: [قال اللهُ] (٤) لإبليسَ: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾. يعنى مِن الجنةِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. يقولُ: فإنك مَرْجومٌ بالقولِ، مشتومٌ ملعونٌ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا


(١) في م: "للمشركين".
(٢) في م: "إهلاكه".
(٣) سقط من: م.
(٤) ليس في: ص، م، ت ١.