للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عيسى؛ وذلك أنه مِن كِنايةِ ذكْرِه أقربُ منه من ذكرِ جبريلَ، فردُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾. يعني به: فحمَلتْ عيسى فانتبذت به، ثم قيل: ﴿فَنَادَاهَا﴾ نسقًا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلةٍ أُخرى، وهى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. ولم تُشِرْ إليه، إن شاء الله إلا وقد علِمتْ أنه ناطقٌ في حاله تلك، وللذى كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبتِه إياها بقوله لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. وما أخبر اللهُ [تعالى ذكرُه] (١) عنه أنه [قاله لها أشارتْ] (٢) للقومِ إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبريلَ لكان خليقًا أن يكونَ في ظاهرِ الخبرِ مُبيِّنًا أن عيسى سينطقُ، ويحتجُّ عنها للقوم، وأمْرٌ منه لها بأن تُشيرَ إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.

فإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، و: (مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر، كان في قوله: ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكرٌ من عيسى، وإذا قرئ: (مَن تَحتَها) بالفتح، كان الفعلُ لـ (من). وهو عيسى. فتأويل الكلامِ إذن: فناداها المولود من تحتِها ألَّا تحزنى يا أُمَّهْ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.

كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾. قالت: وكيف لا أحزنُ وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ. ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ (٣). أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟ ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾. فقال لها عيسى: أنا


(١) سقط من: م.
(٢) في م، ف: "قال لها أشيرى".
(٣) في م: "سيدى".