للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: فبدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم ذكَر نورَ المؤمنِ (١).

وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤].

فكان ذلك بأن يكونَ خبرًا عن موقعٍ يَقَعُ تنزيلُه مِن خلقِه، ومِن مدح ما ابْتَدَأَ بذكرِ مدحِه، أولى وأشبهُ، ما لم يَأْتِ ما يَدُلُّ على انقضاءِ الخبرِ عنه من غيرِه.

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولقد أَنْزَلْنا إليكم أيُّها الناسُ آياتٍ مبيِّناتٍ الحقَّ من الباطلِ، ومثلًا من الذين خَلَوا من قبلِكم وموعظةً للمتقين، فهدَيْناكم بها، وبيَّنا لكم معالمَ دينِكم بها؛ لأنى هادى أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ. وترَك وصلَ الكلامِ باللامِ، وابْتَدأ الخبرَ عن هدايتِه (٢) خلقَه ابتداءً، وفيه المعنى الذي ذكَرْتُ؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه مِن ذكرِه، ثم ابْتَدَأ في الخبرِ عن مثلِ هدايتِه خلقَه بالآياتِ المبيناتِ التي أنْزَلها إليهم، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. يقولُ: مَثَلُ ما أنار مِن الحقِّ بهذا التنزيلِ في بيانِه كمِشْكاةٍ.

وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. علام عائدةٌ، ومِن ذكرِ ما هي؟ فقال بعضُهم: هي مِن ذكرِ المؤمنِ. وقالوا: معنى الكلام: مثلُ نورِ المؤمنِ الذي في قلبِه من الإيمان والقرآنِ مثلُ مشكاةٍ.


(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٩، ٤٠٠ من طريق عبيد الله بن موسى به ولم يذكر تفسير الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٣ من طريق أبي جعفر الرازى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٨ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه. وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.
(٢) في م: "هداية".