للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومنه قول اللهِ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]. يعنى: صَمْتًا عن الكلامِ.

وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإنه يعنى به: فُرِض ذلك عليكم مثلَ الذى فُرِض على الذين مِن قبلِكم.

ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وفى المعنى الذى وقَع فيه التشبيهُ بينَ فَرضِ صومِنا وصومِ الذين مِن قبلِنا؛ فقال بعضُهم: الذين أخبرَنا اللهُ عن الصومِ الذى فرَضه علينا أنه علينا مثلَ الذى كان عليهم، هم النصارَى. وقالوا: التشبيهُ الذى شُبِّه من أجلِه أحدُهما بصاحبِه هو اتفاقُهما في الوقتِ والمقدارِ الذى هو لازمٌ لنا اليومَ فَرْضُه.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، عن محمدِ بنِ أبانٍ، عن أبي أُميةَ الطَّنافِسيِّ، عن الشَّعبيِّ أنه قال: لو صمْتُ السَّنَةَ كلَّها لأفطرْتُ اليومَ الذى يُشَكُّ فيه فيقالُ: مِن شعبانَ. ويقالُ: من رمضانَ. وذلك أن النصارَى فُرِض عليهم شهرُ رمضانَ كما فُرِض علينا فحوَّلوه إلى الفصلِ، وذلك أنهم كانوا رُبّما صامُوه في القيظِ يعدُّون ثلاثين يومًا، ثم جاء بعدَهم قرنٌ منهم فأخَذوا بالثِّقةِ في (١) أنفسِهم فصامُوا قبلَ الثلاثينَ يومًا وبعدَها يومًا، ثم لم يزَلِ الآخِرُ يَسْتَنُّ سُنةَ القرنِ الذى قبلَه، حتى صارتْ إلى خمسينَ، فذلك قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢).


(١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "من".
(٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٦ إلى المصنف مختصرًا، ومحمد=