للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بقتالهم، فيَدْعوه ذلك إلى التَّعْريدِ (١) عنهم والفرارِ منهم، فتَذِلُّوا، ويَأْتيَكم الموتُ الذي خِفْتُموه في مَأْمَنِكم الذي وَأَلْتُم إليه، كما أتى الذين خرَجوا من ديارهم فرارًا من الموتِ؛ الذين قصَصت عليكم قصتَهم، فلم يُنْجِهم فِرارُهم منه من نزوله بهم، حين جاءَهم أمرى، وحلَّ بهم قضائى، ولا ضرَّ المتُخَلَّفين وراءَهم ما كانوا لم يَحْذَرُوه إذ دافعتُ عنهم مناياهم، وصرَفتُها عن حوبائِهم (٢)، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتُكم بقتالِه من أعدائى وأعداءِ دينى، فإن من حَبىَ منكم فأنا أَحْيَيْتُه (٣)، ومن قُتِل منكم فبقَضائى كان قتلُه (٤).

ثم قال تعالى ذكرُه لهم: واعلَموا أيها المؤمنون أن ربَّكم سميعٌ لقول مَن يَقُولُ من منافقيكم لمن قُتل منكم في سبيلى: لو أطاعونا فجلَسوا في منازِلِهم ما قتلوا. عليمٌ بما تُجِنُّه (٥) صدورُهم من النفاقِ والكفر، وقلَّةِ الشُّكْرِ لنِعْمَتى عليهم، وآلائى لَدَيْهم في أنفسِهم وأهليهم، ولغير ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادى. يقولُ تعالى ذكرهُ لعبادِه المؤمنين: فاشكرُونى أنتم بطاعتِى فيما أمَرتُكم من جهادِ عدوِّكم في سبيلى: وغير ذلك مِن أمْرِى ونَهْيِى، إذ كفَر هؤلاء نِعَمِى، واعلَموا أن الله سميعٌ لقولِهم، وعليمٌ بهم وبغيرهم، وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى أُجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا.

ولا وجه لقولِ مَن زعم أن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَمرٌ مِنَ اللَّهِ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ، بالقتال بعدَ ما أحياهم؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي


(١) في م: "التفريد". والتعريد: سرعة الفرار من الهزيمة، من: عرَّد الرجل عن قرنه، إذا أحجم ونكل.
(٢) الحوباء: النفس.
(٣) في م، ت ١: "أحييه".
(٤) في ت ١، ت ٢: "قبله".
(٥) في م، ت:١: "تخفيه" وكلاهما بمعنى.