للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ فَالْحَقُوا الخبر في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بنظير الخبرِ في قولِه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَنُعَلِّمُهُ) بالنونِ (١)، عطفًا به على قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ كأنه قال: ذلك مِن أنباءِ الغيبِ نوحِيه إليك، ونُعَلِّمُه الكتابَ. وقالوا: ما بعد ﴿نُوحِيهِ﴾ في صِلتِه إلى قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ثم عطَف بقوله: (ونُعَلِّمُه) عليه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مختلفتان غيرُ مختلفتَي المعانى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ الصوابَ في ذلك؛ لاتفاقِ مَعْنَيِي القراءتين في أنه خبرٌ عن الله بأنه يُعَلِّمُ عيسى الكتابَ وما ذكَر أنه يُعلِّمُه.

وهذا ابتداءُ خبرٍ من الله ﷿ لمريمَ ما هو فاعلٌ بالولدِ الذي بشَّرها به من الكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ والفضيلةِ، فقال: كذلك اللهُ يَخْلُقُ منكِ ولدًا مِن غيرِ فَحلٍ ولا بَعلٍ فيُعَلِّمه الكتابَ، وهو الخطُّ الذي يخطُّه بيده، والحكمةَ، وهى السنةُ التي نوحِيها إليه في غيرِ كتابٍ، والتوراةَ، وهي التوراةُ التي أُنْزِلت على موسى، كانت فيهم من عهدِ موسى، والإنجيلَ، إنجيلُ عيسى ولم يكنْ قَبلَه، ولكنَّ الله أخبَر مريمَ قبلَ خلقِ عيسى أنه مُوحيه إليه، وإنما أخبَرَها بذلك، فسمّاه لها؛ لأنها قد كانت علِمت فيما نزَل مِن الكتبِ أن الله باعثٌ نبيًّا يُوحِى إليه كتابًا اسمُه الإنجيلُ، فأخبَرها اللهُ ﷿ أن ذلك النبيَّ الذي سمِعتْ بصفتِه الذي وعَد أنبياءَه مِن قَبْلُ أنه مُنزِّلٌ عليه الكتاب الذي سُمِّى إنجيلًا، هو الولدُ الذي وهبَه لها وبشَّرها به.


(١) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.