للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خلقِ اللهِ الذين يَتَكَبَّرون عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والانْقِيادِ لطاعتِه فيما أمَرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليمِ له فيما أوْجَب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ. وكان ممَّن تكَبَّر عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والتَّذَلُّلِ لطاعتِه، والتسليمِ لقضائِه فيما ألْزَمَهم مِن حقوقِ غيرِهم - اليهودُ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ، وأحبارُهم الذين كذَّبوا (١) برسولِ اللهِ ، [وهم بصفتِه عارفون] (٢)، وبأنه للهِ رسولٌ عالمون. ثم اسْتَكْبَروا -مع علمِهم بذلك- عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم اللهُ بخبرِه عن إبليسَ الذى فعَل في استكبارِه عن السجودِ لآدمَ، حسدًا له وبَغْيًا، نظيرَ فعلِهم في التكبُّرِ عن الإذعانِ لمحمدٍ نبيَّ اللهِ ونبوتِه، إذ جاءهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّهم، حسدًا وبَغْيًا.

ثم وصَف إبليسَ بمثلِ الذى وصَف به الذين ضرَبه لهم مثلًا، في الاستكبارِ والحسدِ والاسْتِنْكافِ عن الخضوعِ لمَن أمَره اللهُ بالخضوعِ له، فقال: ﴿وَكَانَ﴾ -يعنى إبليسَ- ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. مِن الجاحِدِين نعمَ اللهِ عليه، وأياديَه عندَه، بخلافِه عليه فيما أمَره به من السجودِ لآدمَ، كما كفَرَت اليهودُ نعمَ ربِّها التى آتاها وآباءَها قبلُ، مِن إطعامِ اللهِ أسْلافَهم المنَّ والسَّلْوَى، وإظلالِ الغَمامِ عليهم، وما لا يُحْصَى مِن نعمِه التى كانت لهم خُصوصًا، وما خصَّ الذين أدْرَكوا محمدًا بإدْراكِهم إياه، ومشاهدتِهم [حُجَّةَ اللهِ عليهم] (٣)، فجَحَدت نبوتَه بعد علمِهم به، ومعرفتِهم بنبوتِه، حسدًا وبَغْيًا، فنسَبه اللهُ تعالى ذكرُه إلى الكافرين، فجعَله مِن عِدادِهم في الدِّينِ والمِلَّةِ، وإن خالَفهم في الجنسِ والنسبةِ، كما جعَل أهلَ


(١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "كانوا".
(٢) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "وصفته عارفين".
(٣) في ص: "محمد ".