للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأنصارِ يُقالُ له: أبو قيسِ بنُ صِرْمةَ. وكان يعمَلُ في حِيطانِ (١) المدينةِ بالأجْرِ، فأتَى أهلَه بتمرٍ، فقال لامرأتِه: استَبدِلي بهذا التمرِ طَحِينًا فاجْعَلِيه سَخينةً (٢) لعلِّي أن آكُلَه، فإن التمرَ قد أحْرَق جَوْفي. فانْطَلَقَتْ فاسْتَبْدَلتْ له، ثم صنَعتْ، فأبطأتْ عليه فنام، فأيْقَظَتْه، فكرِه أن يَعْصِيَ اللهَ ورسولَه، وأبَى أن يَأكُلَ، وأصبَح صائمًا، فرآه رسولُ اللهِ بالعَشِيِّ، فقال: "مَا لَكَ يا أبا قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَلِيحًا (٣)؟ " فقصَّ عليه القصةَ، وكان عمرُ بنُ الخطابِ وقَع على جاريةٍ له في ناسٍ مِن المؤمنين لم يَمْلِكوا أنفسَهم، فلمَّا سمِع عمرُ كلامَ أبي قيسٍ رهِب أن يَنْزِلَ (٤) في أبي قيسٍ شيْءٌ، فتذكَّر هو، فقام فاعْتَذَر إلى رسولِ اللهِ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أَعُوذُ باللهِ، إني وقَعْتُ على جاريتي، ولم أَمْلِكْ نفسي البارحةَ. فلمَّا تكلَّم عمرُ تكلَّم أولئك الناسُ، فقال النبيُّ : "ما كُنْتَ جَدِيرًا بذلك يا بْنَ الخَطَّابِ". فنُسِخ ذلك عنهم، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولُ: أنكم تَقَعُون عليهنَّ خيانةً، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ. ورجَع إلى أبي قيسٍ فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. قال: كانوا في


(١) الحيطان: جمع حائط، وهو البستان من النخل إذا كان عليه جدار. ينظر التاج (ح و ط).
(٢) السخينة: طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق، وهو دون العصيدة في الرقة، وفرق الحساء. التاج (س خ ن).
(٣) طلَح يطَح طُلوحا فهو طليح: إذا أعيا. ينظر النهاية ٢/ ١٣١.
(٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: "يقول".
(٥) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.