للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ما في هذه الآياتِ فعَذْلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاءِ قَصَصِهم. قالوا: فعهدُ اللهِ الذي نقضُوه بعدَ ميثاقِه هو ما أخَذه اللهُ عليهم في التوراةِ؛ من العملِ بما فيها، واتباعِ محمدٍ إذا بُعِث، والتصديقِ به وبما جاءَ به من عندِ ربِّهم، ونقْضُهم ذلك هو جُحودُهم به بعدَ معرفتِهم بحقيقتِه، وإنكارِهم ذلك، وكتمانِهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائِهم اللهَ مِن أنفسِهم الميثاقَ لَيُبَيِّنُتَّه للناسِ ولا يكتُمونه، فأخبَر جل ذكرُه أنهم نبَذوه وراء ظهورِهم واشترَوا به ثمنًا قليلًا.

وقال بعضُهم: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ جميعَ أهلِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ، وعهدُه إلى جميعِهم في توحيدِه ما وضَع لهم من الأدلةِ (١) الدالةِ على رُبوبِيَّتِه، وعهدُه إليهم في أمرِه ونهيِه ما احتج به لرسُلِه من المعجزاتِ التي لا يقدِرُ أحدٌ من الناسِ غيرُهم أن يأتيَ بمثلِها، الشاهدةِ لهم على صدقِهم. قالوا: ونقضُهم ذلك تركُهم الإقرارَ بما قد تبيَّنتْ لهم صحتُه بالأدلةِ (١)، وتكذيبُهم الرسلَ والكتُبَ، مع علمِهم أن ما أتَوا به حقٌّ.

وقال آخرون: العهدُ الذي ذكَره اللهُ هو العهدُ الذي أخَذه عليهم حينَ أخرَجهم من صُلْبِ آدمَ، الذي وصَفه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاءَ به.

قال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: إنَّ هذه


(١) في الأصل: "الدلالة".
(٢) في الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: "ذرياتهم". والمثبت من: م، وهي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي، وقراءة الجمع قرأ بها نافع وأبو عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص ٢٩٨.
ولم يشر المصنف في سورة الأعراف إلى هاتين القراءتين، فأثبتناه بالإفراد كرسم مصاحفنا.