للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يُعْذِروا من أنفسهم". قال: قلتُ لعبدِ الملكِ: كيف يكونُ ذلك؟ قال: فقرَأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ الآية (١).

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؟ وكيف أمكَنتْهم الدَّعْوى بذلك وقد جاءهم بأسُ اللَّهِ بالهلاكِ؟ أقالوا ذلك قبلَ الهلاكِ؟ فإن كانوا قالوه قبلَ الهلاكِ، فإنهم قالوا قبلَ مجئِ البأسِ، واللهُ يخبرُ عنهم أنهم قالوه حينَ جاءهم لا قبلَ ذلك؟ أو قالوه بعدَ ما جاءهم، فتلك حالةٌ قد هَلَكوا فيها، فكيف يجوزُ وصفُهم بقيلِ ذلك إذا عايَنوا بأسَ اللهِ وحقيقةَ ما كانت الرسلُ تَعِدُهم من سطوةِ الله؟

قيل (٢): ليس كلُّ الأممِ كان هلاكُها في لحظةٍ ليس بينَ أَوَّلِه وآخرِه مَهَلٌ، بل كان منهم مَن غَرِقَ بالطوفانِ، فكان بينَ أوّلِ ظهورِ السببِ الذي عَلِموا أنهم به هالِكون، وبينَ آخرِه الذي عَمَّ جميعَهم هلاكُه، المدةُ التي لاخفاءَ بها على ذى عقلٍ، ومنهم مَن مُتِّعَ بالحياةِ بعدَ ظهورِ علامةِ الهلاكِ لأعينِهم أيامًا ثلاثةً، كقومِ صالح وأشْباهِهم. فحينَئذٍ لمَّا عايَنوا أوائلَ بأسِ اللهِ الذي كانت رسلُ اللهِ تَتَوعَّدُهم به، وأيْقَنوا حقيقةً نزولِ سطوةِ اللهِ بهم، دَعَوا: يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فلم يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم مع مجئِ وعيدِ اللهِ وحلولِ نِقْمتِه بساحتِهم (٣)، فحَذَّر ربُّنا جلّ ثناؤه الذين أرسَل إليهم نبيَّه محمدًا مِن سطوتِه وعقابِه على كفرِهم به، وتَكْذيبِهم رسولَه ما حلَّ بَمن كان قبلَهم مِن الأممِ، إذ عَصَوا رسلَه، واتَّبَعوا أمرَ كلّ جبارٍ عنيد.


(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٨٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٨، ١٤٣٩ (٨٢١٢) من طريق جرير به موقوفًا.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: "و".
(٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: "إيمانهم".