للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثني يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبراهيمُ نبيُّ اللهِ بإسماعيلَ وهاجَرَ، فوضَعَهما بمكةَ في موضعِ زمزمَ، فلما مضَى نادَته هاجَرُ: يا إبراهيمُ، إنما أَسْأَلُك - ثلاثَ مراتٍ - من أمرَك أن تَضَعَنى بأرضٍ ليس فيها زرعٌ، ولا ضرعٌ، ولا أنيسٌ ولا ماءٌ، ولا زادٌ؟ قال: ربى أمرَنى. قالت: فإنه لن يُضَيِّعنا. قال: فلما قفَّا إبراهيمُ قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾. يعنى من الحزنِ، ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، فلما ظمِئ إسماعيلُ جعَل يَدْحَضُ (١) الأَرضَ بِعَقِبِه، فذهَبَت هَاجَرُ حتى علَت الصفا، والوادى يومَئذٍ لاخٍ، يعني: عميقٌ، فصعِدَت الصفا، فأشْرَفَت لتَنْظُرَ هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، فانْحَدَرَت فَبَلَغَت الواديَ فسَعَت فيه، حتى خَرَجَت منه، فأتَت المروةَ، فصعِدَت، فاسْتَشْرَفَت هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، ففعَلَت ذلك سبعَ مراتٍ، ثم جاءت من المروةِ إلى إسماعيلَ وهو يَدْحَضُ الأَرضَ بعقبِه، وقد نبعَت العينُ وهى، زمزمُ، فجعَلَت تَفْحَصُ الأرضَ بيدِها عن الماءِ، فكلما اجتَمع ماءٌ أخَذَته بقَدَحِها، وأَفْرَغَته في سِقائِها. قال: فقال النبيُّ : "يَرْحَمُها اللهُ لو ترَكَتْها لكانت عينًا سائحةً تَجْرِى إلى يومِ القيامةِ". قال: وكانت جُرْهُم يومَئذٍ بوادٍ قريبٍ من مكةَ. قال: ولزِمت الطيرُ الواديَ حينَ رأَت الماءَ، فلمَّا رأَت جُرْهُمُ الطيرَ لزِمَت الواديَ. قالوا: ما لزِمَته إلا وفيه ماءٌ. فجاءوا إلى هاجَرَ فقالوا: إن شئتِ كنا معكِ وآنَسْناكِ، والماءُ ماؤُكِ. قالت: نعم. فكانوا معها حتى شبَّ إسماعيلُ، وماتت هاجَرُ، فتزَوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، قال: فاسْتَأْذن إبراهيمُ سارَةً أن يأتِيَ هَاجَرَ، فأذِنَت له، وشرَطت عليه ألا يَنْزِلَ، فقدم إبراهيمُ، وقد ماتت


(١) في التاريخ: "يدحص"، وكلاهما بمعنى يفحص ويبحث ويحرك التراب. ينظر التاج (د ح ض، د ح ص).