للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَيْلَك، أعلمُ أنه وراء البيتِ (١). فأضمَر "أعلمْ". قال: ولم نجدِ العربَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمَرًا، ولا العلمَ وأشْباهَه فى "أنَّ"؛ وذلك أنه يبطُلُ إذا كان بينَ الكلمتَين، أو في آخرِ الكلمةِ، فلما أُضمر جرَى مَجْرَى التركِ (٢)، ألَا تَرى أنه لا يجوزُ في الابتداءِ أن تَقولَ: يا هذا، إنك قائمٌ، و: يا هذا أَنْ قُمْتَ. تريدُ: علِمتُ، أو أعلمُ، أو ظننتُ، أو أظنُّ. وأما حذفُ اللامِ من قولِك: وَيْلَك. حتى تصيرَ: وَيْكَ. فقد تقولُه العربُ؛ لكثرتِها في الكلامِ، قال عنترةُ (٣):

ولقد شَفَى نَفْسى وأَبْرَأَ سُقْمَها … قَوْلُ الفَوَارسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ

قال: وقال آخرون: إن معنى قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾. "وى" منفصلةٌ من "كأنَّ"، كقولِك للرجلِ: وَىْ، أما ترى ما بينَ يدَيك؟ فقال: "وَىْ" ثم استأنَف: "كأن اللهَ يبسطُ الرزقَ". وهى تَعَجَّبٌ، و "كأنَّ" في معنى الظنِّ والعلمِ، فهذا وَجْهٌ يستقيمُ. قال: ولم تكتُبْها العربُ منفصلةً، ولو كانت على هذا لكَتَبوها منفصلةً، وقد يجوزُ أن تكونَ كثُر بها الكلامُ، فوُصِلَت بما ليست منه.

وقال آخرُ منهم: إن "وَىْ" تنبيهٌ، و "كأن" حرفٌ آخر غيرُه، بمعنى: لعل الأمرَ كذا، وأظنُّ الأمرَ كذا؛ لأن "كأنَّ" بمنزلةِ "أظنُّ وأحسبُ وأعلمُ".

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ القولُ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، مِن أن معناه: ألم تَرَ، ألم تعلَمْ. للشاهدِ الذى ذكَرنا فيه مِن قولِ الشاعرِ والروايةِ عن العربِ، وأن "ويكأنَّ" فى خطِّ المصحفِ حرفٌ واحدٌ.

ومتى وُجِّه ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، فإنه يصيرُ حرفَين، وذلك


(١) فى ص، ت ١، ت ٢: "الباب".
(٢) فى النسخ: "المتأخر". والمثبت من معانى القرآن.
(٣) شرح ديوانه ص ١٢٨.