للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ههنا لا حاجةَ بها إلى خبرٍ، على ما وَصَفتُ. وبهذه القراءةِ قرَأ أكثرُ أهلِ الحجازِ وأهلِ البصرةِ. وقرَأ ذلك، آخرون وهم عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾. نصبًا (١)، بمعنى: إلا أن تَكُونَ الأَمْوَالُ التي تَأْكُلُونها بينَكم تجارةً، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم هنالك أكْلُها. فتكونُ الأموالُ مُضْمَرَةً في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، والتجارةُ منصوبةً على الخبرِ. وكلتا القراءتَيْن عندَنا صوابٌ جائزةٌ (٢) القراءةُ بها (٣)، لاستفاضتِهما (٤) في قَرَأَةِ الأمصارِ مع تقارُب معانِيهما. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن قراءةَ ذلك بالنصبِ أَعْجَبُ إليَّ مِن قراءتِه بالرفعِ؛ لقوّةِ النصبِ من وجهين؛ أحدُهما: أنّ في ﴿تَكُونَ﴾ ذكرًا من الأموال والآخَرُ: أنه لو لم يُجْعَل فيها ذِكرٌ منها، ثم أُفرِدَتْ بـ "التجارةِ"، وهى نكرةٌ، كان فصيحًا في كلامِ العربِ النَّصْبُ، إذ كانت مَبْنِيَّةً على اسمٍ وخبرٍ، فإذا لم يَظْهَرْ معها إلا نكرةٌ واحدةٌ، نَصَبوا ورَفَعوا، كما قال الشاعرُ (٥):

* إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا *

ففى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن تكذيبِ قولِ الجهلةِ من المُتَصَوِّفةِ، المنكرين طَلَبَ الأقواتِ بالتجاراتِ والصناعات، واللهُ تعالى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً


(١) قرأ بذلك حمزة والكسائي وعاصم. السبعة في القراءات ص ٢٣١ وحجة القراءات ص ١٩٩.
(٢) في م: "جائز".
(٣) في م: "بهما".
(٤) في ت ٢: "لاستفاضتها".
(٥) تقدم البيت بتمامه في ٥/ ١٠٧.