للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقيل: أراد ولديه إسماعيل، وإسحاق، وقد قرئ «(ولولدي)» وهذه القراءة وقراءة الإفراد، وقراءة: «(ولدي)» جمع ولد كلها قراءات شاذة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي: اغفر للمؤمنين كلهم، والله لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ} أي:

يثبت، فهو مستعار من القيام على الرّجل، كقولهم: قامت الحرب على ساقها. وقيل: المراد:

يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب؛ لكونه مفهوما للسامع.

تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: طلب المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة له. قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، والاعتراف بالعبودية لله تعالى، والاتكال على رحمته. انتهى.

أقول: وفيه أمران آخران: أولهما: إظهار التذلل، والافتقار له تعالى، والتواضع، وثانيهما تعليم الناس وحثهم على طلب المغفرة من الله مهما بلغوا من الصلاح والتقوى، ولا تنس: أن نوحا عليه السّلام قد دعا بمثل هذا الدعاء، انظر الآية الأخيرة من السورة المسماة باسمه، وعلّم ربنا حبيبه وصفيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن يدعوه بأدعية شبيهة لما دعا إبراهيم ونوح، عليهم جميعا ألف تحية، وألف صلاة، انظر خواتيم سورة (البقرة)، والنصف الثاني: من سورة (الفاتحة)، وغير ذلك كثير، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إليه في اليوم والليلة سبعين مرة».

ولعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم حينما كان يحض أصحابه على الاستغفار، ويخبرهم: أنه يستغفر في اليوم سبعين مرة، لم يقصد نفع نفسه، أو التخلص من ذنوب نسبت إليه، فهو المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكنه قصد أن يعلم أتباعه كيف يفيئون بعد غفلة، ويستقيمون بعد زلة، ويرجعون بعد هفوة، ولا عجب فهو بالمؤمنين رءوف رحيم.

الإعراب: {رَبَّنَا:} تقدم مثله. {اِغْفِرْ:} فعل دعاء، والفاعل: «أنت». {لِي:} متعلقان بما قبلهما. (لوالدي): معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (للمؤمنين) معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر... إلخ. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل السابق، أو هو متعلق بمحذوف حال التقدير: حال كون الغفران في ذلك اليوم العصيب، والأول: أقوى، وجملة: {يَقُومُ الْحِسابُ} في محل جر بإضافة يوم إليها، والآية الكريمة من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام.

{وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢)}

الشرح: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً..}. إلخ: هذا خطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم، والمراد تثبيته على ما هو عليه، وأنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم، لا تخفى عليه خافية، وفيه وعيد لهم بأنه

<<  <  ج: ص:  >  >>