للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)}

الشرح: قال ابن عباس-رضي الله عنهما-وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت، ولم يكن له غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء، والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا: أيها الملك، لا تبرأ البنت من برصها إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه، فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا ساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن، وتنضح الماء على وجوههن؛ إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر؛ ائتوني به.

فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقتدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية، فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها، فعالجته، ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في التابوت، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه، يمص منه لبنا، فألقى الله محبته في قلب آسية، وأحبه فرعون، وأقبل عليه، وأقبلت عليه بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت إلى ما يسيل من أشداقه من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، ثم قبلته، وضمته إلى صدرها.

فقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن هذا المولود هو الذي نحذر منه من بني إسرائيل رمي به في النيل فزعا منك، فهم فرعون بقتله، فقالت آسية: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا} أي: فنصيب منه خيرا، نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو قال يومئذ قرّة عين لي، كما هو لك؛ لهداه الله كما هداها الله». فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موسى؛ لأنا وجدناه في الماء والشجر؛ لأن (مو) هو الماء، و (سا) هو الشجر. انتهى. خازن بحروفه.

هذا؛ وقد قرئ: (حزنا) بفتحتين، وبضم فسكون، وهما لغتان مثل: العدم، والعدم، والسّقم، والسّقم، والرّشد، والرّشد، والحزن: ضد الفرح، والسرور، يحصل للإنسان بسبب مصائب الدهر، ومتاعب الدنيا، وآل فرعون لقوا من موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-ما لقوا من الهم، والغم، والحزن، وما آل إليه أمرهم من الهلاك، والدمار، وقد تفرد الجلال-رحمه الله-بتفسير حزنا، فقال: يستعبد نساءهم. قال الجمل-رحمه الله تعالى-:

ظاهر هذه العبارة: أنّ موسى بعد غرق القبط كان يستعبد نساءهم؛ أي: يعاملهن معاملة العبيد

<<  <  ج: ص:  >  >>