للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مجاهد: يسره لطريق الخير، أو الشر؛ أي: بين له ذلك، كما قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣]: {إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً}.

وقاله الحسن، وعطاء، وابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وقال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له، وقدره عليه، ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».

{ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي: جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ممّا يلقى على وجه الأرض، تأكله الطير، والوحوش، والبهائم، ولذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل، فلم يدر كيف يواري جثته؟ حمله على عاتقه؛ حتى أنتن، فبعث الله إليه غرابين، فاقتتلا؛ حتى قتل أحدهما الآخر، ثم حفر القاتل حفرة بمنقارة، ورجليه، ثم ألقاه فيها، وواراه التراب، وقابيل ينظر، فلما رأى ذلك من فعل الغراب؛ فعل بأخيه هابيل مثل ذلك، فواراه التراب، وذلك سنة متبعة في بني آدم إلى يوم القيامة. هذا؛ و (أقبره) جعل له قبرا، وأمر أن يقبر. وقال (أقبره): ولم يقل: قبره؛ لأن القابر هو الدافن بيده. قال الأعشى: [السريع]

لو أسندت ميتا إلى نحرها... عاش ولم ينقل إلى قابر

يقال: قبرت الميت: إذا دفنته، وأقبره الله؛ أي: صيره بحيث يقبر، وجعل له قبرا. تقول العرب: بترت ذنب البعير، وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وطردت فلانا، والله أطرده؛ أي: صيره طريدا. وانظر سورة (التكاثر).

{ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ} أي: أحياه بعد موته، وبعثه للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ: «(شاء نشره)» بغير همزة لغتان فصيحتان بمعنى، يقال: أنشر الله الميت، ونشره. قال الأعشى: [السريع]

حتى يقول النّاس ممّا رأوا... يا عجبا للميّت النّاشر

هذا؛ والتعبير بقوله تعالى: {إِذا شاءَ} إشعار بأن وقت المشيئة غير معلوم، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك، فإنها تعلم أوقاتها من بعض الوجوه، فلم تفوض إلى مشيئته تعالى.

{كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ} أي: ليرتدع، وينزجر الكافر عن تكبره، وتجبره، فإنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإيمان، والطاعة. وكان ابن عباس-رضي الله عنهما- يقول: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم. فهو يعني ما ذكر في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..}. إلخ.

هذا؛ و «أمر» يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى للثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، انظر سورة (المطففين) رقم [٣] وأيضا نصح، وشكر.

فمثال «استغفر»، وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]

<<  <  ج: ص:  >  >>