للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ظَهْرُه فصارَ كأنه وَاقِعٌ، فمتَى أرَادَ الرُّكُوعَ زادَ في انْحِنَائِه قليلًا، ويُقَرِّبُ وَجْهَه إلى الأرْضِ في السُّجُودِ أكْثَرَ ما يُمْكِنُه. وإن قَدَرَ على السُّجُودِ على صُدْغِهِ لم يَفْعَلْ؛ لأنَّه ليس من أعْضاءِ السُّجُودِ. وإن وَضَعَ بين يَدَيْهِ وِسَادَةً، أو شَيْئًا عالِيًا، أو سَجَدَ على رَبْوَةٍ أو حَجَرٍ، جَازَ، إذا لم يُمْكِنْه تَنْكِيسُ وَجْهِه أكْثَرَ من ذلك. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، أنَّه قال: أخْتارُ السُّجُودَ على المِرْفَقَةِ (١٢). وقال: هو أحَبُّ إلىَّ من الإِيماءِ. وكذلك قال إسْحاقُ. وجَوَّزَهُ الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ورَخَّصَ فيه ابنُ عَبَّاسٍ. وسَجَدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ على المِرْفَقَةِ. وكَرِهَ ابنُ مسعودٍ السُّجُودَ على عُودٍ، وقال: يُومِئُ إيماءً. ووَجْهُ الجَوازِ؛ أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه من الانْحِطَاطِ، فأجْزَأَه، كما لو أوْمَأَ، فأمَّا إن رَفَعَ إلى وَجْهِه شَيْئًا فَسَجَدَ عليه، فقال بعضُ أصْحَابِنا: لا يُجْزِئُه. وَرُوِىَ عن ابْنِ مسعودٍ، وابْنِ عمرَ، وجَابِرٍ، وأنَسٍ، أنَّهم قالوا: يُومِئُ، ولا يَرْفَعُ إلى وَجْهِه شَيْئًا. وهو قولُ عَطَاءٍ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ. ورَوَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنه قال: أىَّ ذلك فَعَلَ، فلا بَأْسَ، يُومِئُ، أو يَرْفَعُ المِرْفَقَةَ فَيَسْجُدُ عليها. قِيل له: المِرْوَحَةَ؟ قال: لا. أمَّا المِرْوَحَة فلا. وعن أحمدَ، أنَّه قال: الإِيمَاءُ أحَبُّ إلَىَّ. وإن رَفَعَ إلى وَجْهِه شَيْئًا فَسَجَدَ عليه، أجْزَأَهُ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. ولا بُدَّ مِن أن يكونَ بحيثُ لا يُمْكِنُه الانْحِطَاطُ أكْثَرَ منه، ووَجْهُ ذلك، أنَّه أتَى بما أمْكَنَه مِن وَضْعِ (١٣) رَأْسِه، فأجْزَأهُ، كما لو أوْمَأ. وَوَجْهُ الأَوَّل أنَّه سَجَدَ على ما هو حَامِلٌ له، فلم يُجْزِهِ، كما لو سَجَدَ على يَدَيْهِ.

فصل: وإن لم يَقْدِرْ على الإِيماءِ بِرَأْسِه، أوْمَأَ بطَرْفِه، ونَوَى بِقَلْبِه، ولا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عنه ما دَامَ عَقْلُه ثَابِتًا. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الصَّلَاةَ تَسْقُطُ عنه. وذَكَرَ القاضي أنَّ هذا ظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ في رِوَايةِ محمدِ بن يَزِيدَ (١٤)؛ لما رُوِىَ عن أبي سعيدٍ


(١٢) المرفقة: المخدة.
(١٣) في أ: "موضع".
(١٤) أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسى المستملى، انحدر مع الإمام من طرسوس أيام المأمون. وعنده عنه =

<<  <  ج: ص:  >  >>