للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

شىءٌ من هذا واجِبًا. ويُسْتَحَبُّ أن يتَلاعَنا قِيامًا، فَيَبْدأُ الزوجُ فيَلْتَعِنُ وهو قائمٌ، فإذا فَرَغَ قامتِ المرأةُ فالْتَعَنَتْ وهى قائمةٌ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال لهِلالَ بن أمَيَّةَ: "قمْ فاشْهَدْ أرْبعَ شهاداتٍ" (٦). ولأنَّه إذا قام شاهَدَه الناسُ، فكان أبلغَ فى (٧) شُهْرَتهِ، فاسْتُحِبَّ كَكَثْرةِ (٨) الجمعِ، وليس ذلك واجِبًا. وبهذا كله قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا.

فصل: قال القاضى: ولا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فى اللِّعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أطْلَقَ الأمْرَ بذلك، ولم يُقَيِّدْه بزمانٍ ولا مكانٍ، فلا يجوزُ تَقْييدُه إلَّا بدليلٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ الرجلَ بإحْضارِ امْرأتِه، ولم يَخُصَّه بزمنٍ، ولو خُصَّه بذلك لَنُقِلَ ولم يُهْمَلْ. وقال أبو الخَطَّاب: يُسْتَحَبُّ أن يتَلَاعَنَا فى الأزْمانِ والأماكنِ التى تُعَظَّمُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ عندَه فى التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلينِ؛ أحدهما، أَنَّ التَّغْلِيظَ به مُسْتَحَبٌّ كالزمانِ. والثانى، أنَّه واجبٌ؛ لأنَّ النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَاعَنَ بينهما (٩) عند المِنْبَرِ، فكان فِعْلُه بيانًا لِلِّعانِ. ومعنى التَّغْلِيظِ بالمَكانِ، أنَّهما إذا كانا بمَكَّةَ لَاعَنَ بينهَما بين الرُّكْنِ والمَقْامِ، فإنَّه أشْرَفُ البِقَاعِ، وإن كانا بالمَدِينةِ (١٠) فعند مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفى بَيْتِ المَقْدِسِ عنَد الصَّخْرَةِ، وفى سائرِ البلدانِ فى جَوامِعِها. وأمَّا الزَّمانُ فبَعْدَ العَصْرِ؛ لقَوْل اللَّه تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} (١١). وأجْمَعَ المُفَسِّرُون على أَنَّ المُرَادَ بالصَّلاةِ صلاةُ العَصْرِ. قال أبو الخَطَّاب فى موضعٍ آخَرَ (٩): أو بين (١٢) الأذَانَيْنِ؛ لأنّ الدُّعاءَ بينهما لا يُرَدُّ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ،


(٦) تقدم تخريجه، فى: ٨/ ٣٧٣.
(٧) فى أ، ب: "من".
(٨) فى م: "كثرة".
(٩) سقط من: م.
(١٠) فى ب، م: "فى المدينة".
(١١) سورة المائدة ١٠٦.
(١٢) فى ب: "وبين".

<<  <  ج: ص:  >  >>