للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَنْذُورِ عن المَيِّتِ رِوَايَتانِ. ولا تَجوزُ الاسْتِنَابَةُ في الطَّهَارَةِ، إلَّا في صَبِّ الماءِ، وإِيصالِ الماءِ [إلى الأعْضاءِ] (١٩)، وفى تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ وغيرِهما.

فصل: وكلُّ ما جازَ التَّوْكِيلُ فيه، جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ وغَيْبَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا مذهبُ مالِكٍ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: لا يجُوزُ اسْتِيفَاءُ القِصَاصِ وحَدِّ القَذْفِ في غَيْبَةِ المُوَكِّلِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وبعضِ الشّافِعِيّةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ المُوَكِّلُ في حَالَةِ غَيْبَتِه، فيَسْقُطَ؛ وهذا الاحْتِمالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ. ولأنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ إليه، فإذا حَضَرَ، احْتَمَلَ أن يَرْحَمَهُ فيَعْفُوَ. والأَوَّلُ ظَاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّ ما جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ، جازَ في غَيْبَتِه، كالحُدُودِ وسائِرِ الحُقُوقِ، واحْتِمَالُ العَفْوِ بَعِيدٌ. والظاهِرُ أنَّه لو عَفَا لبَعَثَ وأعْلَمَ وَكِيلَه بِعَفْوِه، والأَصْلُ عَدَمُه، فلا يُؤَثِّرُ، ألا تَرَى أنَّ قُضاةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا يَحْكُمُونَ في البِلَادِ، ويُقِيمُونَ الحُدُودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، مع احْتِمالِ النَّسْخِ؟ وكذلك لا يحْتَاطُ في اسْتِيفَاءِ الحُدُودِ بإِحْضَارِ الشُّهُودِ، مع احْتِمالِ رُجُوعِهِم عن الشَّهَادَةِ، أو تَغَيُّرِ اجْتِهادِ الحاكِمِ.

فصل: ولا تَصِحُّ الوَكَالَةُ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحدٍ منهما، فافْتَقَرَ إلى الإِيجابِ والقَبُولِ، كالبَيْعِ. ويجوزُ الإِيجابُ بكلِّ لَفْظٍ دَلَّ على الإِذْنِ، نحو أن يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شيءٍ، أو يقولَ: أَذِنْتُ لك في فِعْلِه. فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَكَّلَ عُرْوَةَ بن الجَعْدِ في شِرَاءِ شاةٍ بِلَفْظِ الشِّراءِ (٢٠)، وقال اللهُ تعالى، مُخْبرًا عن أهْلِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} (٢١). ولأنَّه لَفْظٌ دَالٌّ على الإِذْنِ، فجَرَى مَجْرَى قولِه: وَكَّلْتُكَ. ويجوزُ القَبُولُ بِقَوْلِه: قَبِلْتُ. وكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عليه. ويجوزُ بكلِّ فِعْلٍ دَلَّ على القَبُولِ، نحو أن


(١٩) في م: "للأعضاء".
(٢٠) تقدم تخريجه في: ٦/ ٢٩٥.
(٢١) سورة الكهف ١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>