للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأحْكامِ؛ لأنَّ إعْطاءَ الْجِزْيَةِ إنَّما يكونُ فى آخرِ الحَوْلِ، والكَفَّ عنهم فى ابْتدائِه عندَ البَذْلِ، والمرادُ بقولِه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} (٣٨). أى يَلْتَزِمُوا الإِعْطاءَ، ويُجِيبُوا إلى بَذْلِه، كقَوْلِ اللَّه تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}. والمرادُ بِه الْتزامُ ذلك دونَ حَقِيقَتِه؛ فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما يجبُ أداؤُها عندَ الحَوْلِ؛ لقولِه عليه السلام: "لَا زَكاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (٣٩).

١٦٨٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سِوَاهُمْ، فَالْإِسْلَامُ أو الْقَتْلُ)

يَعْنِى مَنْ سِوَى اليَهُودِ والنَّصارَى والمجُوسِ لا تُقْبَلُ منهم الْجِزْيَةُ، ولا يُقَرُّون بها، ولا يقْبَلُ منهم إِلَّا الْإِسْلَامُ، فإنْ لم يُسْلِمُوا قُتِلُوا. هذا ظاهِرُ مذهبِ أحمَدَ. ورَوَى عنه الحَسَنُ بنُ ثَوابٍ، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ من العربِ؛ لأنَّ حديثَ بُرَيْدَةَ يدُلُّ بعُمومِه على قبولِ الْجِزْيَةِ من كلِّ كافِرٍ، إلَّا أَنَّه خَرَجَ منه عَبَدَةُ الأوثانِ من العربِ؛ لتَغَلُّظِ كُفْرِهم من وَجْهَيْن، أحدُهما، دِينُهم. والثانى، كَوْنُهم من رَهْطِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقال الشافِعِىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا من أهلِ الكتابِ والْمَجُوسِ، لكن فى أهلِ الكُتُبِ غيرِ اليَهُودِ والنَّصارَى، مثل أهلِ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ وزَبُورِ داوُدَ، ومَن تمسَّك بدينِ آدمَ وإدْرِيسَ، وَجْهان؛ أحدُهما، يُقَرُّون بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّهم من أهلِ الكتاب، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ إلَّا العربَ، لأَنَّهُم (١) رَهْطُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يُقَرُّون على غيرِ دِينِه، وغيرُهم يُقَرُّ بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّه يُقَرُّ بالاسْتِرْقاقِ، فأُقِرَّ (٢) بالْجِزْيَةِ، كالْمَجُوسِ. وعن مالِك، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهِمْ إلَّا مُشْرِكِى قرَيْشٍ؛ لأنَّهم ارْتَدُّوا. وعن الأَوْزَاعِىِّ، وسعيدِ بن عبد العزيز، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهم. وهو قولُ عبدِ الرحمن بن يَزِيدَ بن جابرٍ، لحديثِ بُرَيْدَةَ (٣)، ولأنَّه كافِرٌ، فيُقَرُّ بالْجِزْيَةِ، كأهلِ


(٣٨) لم ترد فى: أ، ب، م.
(٣٩) تقدم تخريجه، فى: ٤/ ٤٦.
(١) فى ب: "فإنهم".
(٢) فى م: "فأقروا".
(٣) تقدم تخريجه، فى صفحة ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>