للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأنَّه كِنايةٌ فى النِّكاحِ يفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ والإِضْمارِ، فلم ينْعَقِدْ به، كلفظِ الهِبَةِ والبَيْعِ. ولَنا، أَنَّ القَبُولَ صريحٌ فى الجَواب، فانْعَقَدَ به، كما ينْعَقِدُ به البَيْعُ وسائرُ العُقُودِ. وقولُهم: يفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه جَوابٌ فلا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى المذكورِ.

فصل: وينْعَقِدُ النِّكاحُ بلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويج. والجوابُ عنهما إجماعًا، وهما اللّذانِ وَرَدَ بهما نَصُّ الكِتاب فى قولِه سُبْحانه: {زَوَّجْنَاكَهَا} (٥). وقوله سبحانه: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (٦). وسواءٌ اتَّفَقَا من الجانِبَيْنِ أو اخْتَلَفا، مثل أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِى هذه (٧). فيقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التَّزْوِيجَ (٨). ولا ينْعَقِدُ بغيرِ لَفْظِ الإنْكاحِ والتَّزْوِيجِ. وبهذا قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعةُ، والشافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، ودَاودُ: ينْعَقِدُ بلَفْظِ الهِبَةِ والصَّدَقةِ والبَيْعِ والتَّمْلِيكِ (٩). وفى لَفْظِ الإِجَارةِ عن أبى حنيفةَ روايتانِ. وقال مالكٌ: ينْعَقِدُ بذلك إذا ذَكَرَ المَهْرَ. واحْتَجُّوا بأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَ رَجُلًا امرأةً، فقال: "قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". روَاه البُخارىُّ (١٠). ولأنَّه لَفْظٌ ينْعَقِدُ به تَزْوِيجُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فانْعَقَدَ به نِكاحُ أُمَّتِه، كلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْوِيجِ، [ولأنَّه أمْكَنَ] (١١) تَصْحِيحُه بمجازِه، فوَجَبَ تَصْحِيحُه، كإِيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنَايَاتِ. ولَنا، قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (١٢). فذكَر ذلك خالِصًا لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه لَفْظٌ ينْعَقِدُ به غيرُ النِّكاحِ [فلم يَنْعَقِدْ به النِّكاحُ] (١٣)، كلَفْظِ الإِجَارةِ والإِبَاحةِ والإِحْلالِ، ولأنَّه ليس بصَرِيحٍ فى


(٥) سورة الأحزاب ٣٧.
(٦) سورة النساء ٢٢.
(٧) سقط من: الأصل، ب.
(٨) فى أ، م: "التزوج".
(٩) فى ب: "والتملك".
(١٠) تقدم تخريجه فى: ٨/ ١٣٧.
(١١) فى ب: "ولأنها من".
(١٢) سورة الأحزاب ٥٠.
(١٣) سقط من: أ، م.

<<  <  ج: ص:  >  >>