للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل: ومَن اصْطادَ سَمَكَةً، فوَجَدَ فيها دُرَّةً، فهى لِلصَّيَّادِ؛ لأنَّ الدُّرَّ يكونُ في البَحْرِ، بِدَلِيلِ قول اللَّه تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} (١٦). فتكون لآخِذِها، فإن باعَها الصَّيَّادُ ولم يَعْلَمْ، فوَجَدَها المُشْتَرِى في بَطْنِها، فهى لِلصَّيَّادِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ ما في بَطْنِها فلم يَبِعْهُ، ولم يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِه عنه، فلم يَدْخُلْ في البَيْعِ، كمن باعَ دَارًا له مالٌ مَدْفُونٌ فيها. وإن وَجَدَ في بَطْنِها عَنْبَرةً أو شيئًا ممَّا يكونُ في البَحْرِ، فهو لِلصَّيَّادِ؛ لما ذَكَرْنَا. وحُكْمُه حُكْمُ الجَوْهَرَةِ. وإن وَجَدَ دَرَاهِمَ أو دَنانِيرَ، فهى لُقَطَةٌ؛ لأنَّ ذلك لا يُخْلَقُ في البَحْرِ، ولا يكونُ إلَّا لآدَمِىٍّ، فيكونُ لُقَطَةً، كما لو وَجَدَه في البَحْرِ. وكذلك الحُكْمُ في الدُّرَّةِ إذا كان فيها أَثَرٌ لآدَمِىٍّ، مثل أن تكونَ مَثْقُوبةً أو مُتَّصِلَةً بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهِما، فإنَّها تكون لُقَطةً لا يَمْلِكُها الصَّيَّادُ؛ لأنَّها لم تَقَعْ في البَحْرِ حتى تَثْبُتَ اليَدُ عليها، فهى كالدِّينارِ. وكذلك الحُكْمُ في العَنْبَرةِ إذا كانت مَوْصُولةً بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أو مَصْنُوعةً، كالتُّفّاحَةِ مَثْقُوبةً، ونحو ذلك ممَّا لا يُخْلَقُ عليه في البَحْرِ، فهى لُقَطَةٌ. وإن وَجَدَها الصَّيَّادُ فعليه تَعْرِيفُها؛ لأنَّه مُلْتَقِطُها، وإن وَجَدَها المُشْتَرِى، فالتَّعْرِيفُ عليه؛ لأنَّه واجِدُها، ولا حاجَةَ إلى البِدَايةِ بالبائِعِ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ أن تكونَ السَّمَكةُ ابْتَلَعَتْ ذلك بعدَ اصْطِيَادِها ومِلْكِ الصَّيَّادِ لها، فاسْتَوَى هو وغيره. فأمَّا إن اشْتَرَى شاةً، ووَجَدَ في بَطْنِها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً أو دَنَانِيرَ أو دَرَاهِمَ، فهى لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها، ويَبْدَأُ بالبائِعِ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن تكونَ ابْتَلَعَتْها من (١٧) مِلْكِه فيَبْدَأُ به، كَقَوْلِنا في مُشْتَرِى الدَّارِ إذا وَجَدَ فيها مالًا مَدْفُونًا. وأن اصْطادَ السَّمَكةَ من غيرِ البَحْرِ، كالنَّهْرِ والعَيْنِ، فحُكْمُها حُكْمُ الشَّاةِ، في أنَّ ما وُجِدَ بَطْنِها من ذلك فهو لُقَطَةٌ، دُرَّةً كانت أو غيرَها؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا في البحْرِ بِحُكْمِ العادَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الدُّرّةُ لِلصَّيَّادِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}.


(١٦) سورة فاطر ١٢.
(١٧) في م: "في".

<<  <  ج: ص:  >  >>