للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الآخَر، أتى الذى يُحْسِنُ العربيةَ بها، والآخَرُ يَأْتِى بلِسَانِه. فإن كان أحَدُهُما لا يُحْسِنُ لِسانَ (٢١) الآخَر، احْتاجَ أن يَعْلَمَ أَنَّ اللفظةَ التى أتَى بها صاحِبُه لَفْظَةُ الإِنْكاحِ، بأن يُخْبِرَه بذلك ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسانَيْنِ جميعًا.

فصل: فأمَّا الأَخْرَسُ فإن فُهِمَتْ إشَارَتُه صَحَّ نِكَاحُه بها؛ لأنَّه معنًى لا يُسْتفادُ إلَّا من جِهَتِه (٢٢)، فصَحَّ بإشَارَتِه، كبَيْعِه وطَلَاقِه ولِعَانِه، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، لم يَصِحَّ منه. كما لم يَصِحَّ غيرُه من التَّصَرُّفاتِ القَوْلِيَّةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ بين شَخْصَيْنِ، فلابدَّ من فَهْمِ كلِّ واحدٍ منهما ما يَصْدُرُ عن (٢٣) صاحِبِه. ولو فَهِمَ ذلك صاحِبُه العاقدُ معه، لم يَصِحَّ حتى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أيضًا؛ لأنَّ الشهادةَ شَرْطٌ، ولا يَصِحُّ على ما لا يُفْهَمُ. قال أحمدُ: لا يُزَوِّجُه وَلِيُّه. يعنى إذا كان بالِغًا؛ لأنَّ الخَرَسَ لا يُوجِبُ الحَجْرَ، فهو كالصَّمَمِ.

فصل: إذا تقدَّمَ القَبُولُ على الإِيجابِ. لم يَصِحَّ. رِوايةً واحدةً، سواءٌ كان بلَفْظِ الماضِى، مثل أن يقولَ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ. فيقول: زَوَّجْتُكَ. أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: زَوِّجْنِى ابْنَتَك. فيقول: زَوَّجْتُكَها. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: يَصِحُّ فيهما جميعًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ الإِيجابُ والقَبُولُ، فيَصِحُّ (٢٤) كما لو تقدَّمَ الإِيجابُ. ولَنا، أَنَّ القَبُولَ إنَّما يكونُ للإِيجابِ، فمتى وُجِدَ قبلَه لم يكُنْ قَبُولًا؛ لعَدَمِ معناه، فلم يَصِحَّ، كما لو تقدَّمَ بلَفْظِ الاسْتِفهامِ، ولأنَّه لو تأَخَّرَ عن الإِيجابِ بلَفْظِ الطَّلَبِ، لم يَصِحَّ، فإذا تقدَّم كان أَوْلَى، كصِيغَةِ الاستفهام، ولأنَّه لو أتى بالصِّيغَةِ المَشْرُوعةِ مُتَقَدِّمةً، فقال: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ. فقال الوَلِىُّ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. لم يَصِحَّ، فلَأن لا


(٢١) فى ب: "كلام".
(٢٢) فى م: "جهة واحدة".
(٢٣) فى م: "من".
(٢٤) فى الأصل، ب: "فصح".

<<  <  ج: ص:  >  >>