للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كالاسْتِثْناءِ والشَّرطِ. وذكَرَ أبو بكرٍ، فى قولِه: أنتِ مُطلَّقةٌ. أنَّه إنْ نَوَى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا، أو مِن زَوْجٍ كان قبلَه، لم يَكُنْ عليه شىءٌ، وإن لم يَنوِ شيئًا، فعلى قَوْلَيْن؛ أحدُهما، يَقعُ. والثَّانى، لا يَقعُ. وهذا مِن قولِه يَقتضى أن تكونَ هذه اللَّفظةُ غيرَ صريحةٍ، فى أحَدِ القَوْلينِ. قال القاضى: والمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه صريحٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ هذه مُتَصَرِّفةٌ مِن لفظِ الطَّلاقِ، فكانتْ صَرِيحةً فيه، كقوله: أنتِ طالقٌ.

فصل: فأمَّا لَفْظةُ الإِطْلاقِ، فليست صريحةً فى الطَّلاقِ؛ لأنَّها لم يَثبُتْ لها عُرْفُ الشَّرعِ، ولا الاسْتعمالُ، فأشْبَهتْ سائرَ كِناياتِه. وذكر القاضى فيها احتمالًا، أنَّها صَرِيحةٌ؛ لأنَّه لا فرقَ بين فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ، نحو عَظَّمْتُه وأعْظَمْتُه، وكَرَّمْتُه وأكْرَمْتُه. وليس هذا الذى ذكَرَه بمُطَّرِدٍ؛ فإنَّهم يقولون: حَيَّيْتُه مِنَ التَّحِيَّةِ، وأحْيَيْتُه مِنَ الحَيَاةِ، وأصدَقْتُ المرأةَ صَدَاقًا، وصَدَّقْتُ حديثَها تَصديقًا، ويُفَرِّقُونَ بين أقبَلَ وقَبِلَ، وأدبَرَ ودَبَرَ، وأبصَرَ وبَصُرَ، ويُفَرِّقُونَ بين المعانى المُخْتلِفَةِ بحَرَكةٍ أو حرفٍ، فيقولونَ: حَمْلٌ لما فى البطنِ، وبالكسرِ لما على الظَّهْرِ، والوَقْرُ بالفتحِ الثِّقْلُ فى الأذُنِ، وبالكسرِ لِثِقْلِ الحِمْلِ. وههُنا فَرَّقُوا (١٨) بين حَلِّ قَيْدِ النِّكاحِ وبين غيرِه، بالتَّضعيفِ فى أحدِهما، والهمزةِ فى الآخَرِ، ولو كان معنى اللفظينِ واحدًا لقِيلَ: طَلَّقْتُ الأسِيرَ (١٩)، والفَرَسَ، والطَّائرَ، فهو طالقٌ، وطلَّقتُ الدَّابَّةَ، فهى طالقٌ، ومُطلَّقَةٌ. ولم يُسْمَعْ هذا فى كلامِهم، وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ.

فصل: فإن قال: أنتِ الطَّلاقُ. فقال القاضى: لا تَخْتلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى أَنَّ الطَّلاقَ يَقعُ به، نَواهُ أو لم يَنْوِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. ولأصحابِ الشَّافعىِّ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّه غيرُ صَرِيحٍ (٢٠)؛ لأنَّه مصدرٌ، والأعْيانُ لا تُوصَفُ بالمصادرِ إلَّا


(١٨) فى أ، ب، م: "فرق".
(١٩) فى ب، م: "الأسيرين".
(٢٠) فى الأصل، ب، م: "صحيح".

<<  <  ج: ص:  >  >>