للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أبو داودَ (٣٣)، ولأنَّه عِوَضٌ عن المُكاتَبِ، فلا يَعْتِقُ قبلَ أدائِه، كالقَدْرِ المُتَّفَقِ عليه، ولأنَّه لو عَتَقَ (٣٤) بعضُه، لَسَرَى إلى باقِيه، كما لو باشَر بالعِتْقِ، فإِنَّ العِتْقَ لا يتَبَعَّضُ فى المِلْكِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فمَحْمُولٌ على مُكاتَبٍ لرَجُلٍ مات، وخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فأقَرَّ أحَدُهُما بكتابَتِه، وأَنْكَرَ الآخرُ، فأدَّى إلى المُقِرِّ، أو ما أشْبَهَها من الصُّوَرِ، جَمْعًا بين الأخْبارِ، وَتَوْفِيقًا بينَها وبينَ القياسِ. ولأنَّ قولَ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" (٣٥). دليلٌ على اعْتبارِ جميعِ ما يُؤْدِّى، ويجوزُ أن يتوَقَّفَ العِتْقُ على أداءِ الجميعِ، وإن جازَ رَدُّ بعضِه إليه، كما لو قال: إذا أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا، فأنتَ حُرٌّ، وللَّهِ (٣٦) علىَّ رَدُّ رُبْعِها إليكَ. فإنَّه لا يَعْتِقُ قبلَ أداءِ جَمِيعِها، وإن وَجَبَ عليه رَدُّ بَعْضِها.

فصل: وتجوزُ الكتابةُ على كلِّ مالٍ يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأَنَّه مالٌ يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا فى مُعاوَضةٍ، فجاز ذلك فيه، كعَقْدِ السَّلَمِ. فإن كان من الأَثْمانِ، وكان فى البَلَدِ نَقْدٌ واحدٌ، جاز إطْلاقُه؛ لأَنَّه يَنْصَرِفُ بالإِطْلاقِ إليه، فجاز ذلك فيه، كالبَيْعِ، وإن كان فيه نُقُودٌ أحَدُها أغْلَبُ فى الاسْتِعمالِ، جاز الإِطْلاقُ أيضًا، وانْصَرَفَ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو انْفَردَ، وإن كانتْ مُخْتلِفةً مُتَساويةً فى الاستعمالِ، وَجَبَ بَيانُه بجِنْسِه، وما يتَمَيَّزُ به من غيرِه من النُّقُودِ. وإن كان من غيرِ الأثْمانِ، وَجَبَ وَصْفُه بما يُوصَفُ به فى السَّلَمِ. وما لا يَصِحُّ (٣٧) السَّلَمُ فيه، لا يجوزُ أَن يكونَ عِوَضًا فى الكِتابةِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ يَثْبُتُ (٣٨) عِوَضُه فى الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ بعِوضٍ مَجْهُولٍ، كالسَّلَمِ. فإن كاتَبَه على عَبْدٍ مُطلَقٍ، لم يَصِحَّ. ذَكَرَه أبو بكرٍ. وهو قولُ الشافعىِّ. وذكر القاضى فيه (٣٩)


(٣٣) تقدم تخريجه، فى: ٩/ ١٢٤، ١٢٥.
(٣٤) فى م: "أعتق".
(٣٥) تقدم تخريجه، فى: ٩/ ١٢٥.
(٣٦) سقطت الواو من: الأصل، أ.
(٣٧) فى الأصل، ب، م زيادة: "فى".
(٣٨) فى الأصل: "فثبت". وفى ب: "ثبت".
(٣٩) سقط من: الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>